لقد مات منهم من مات، واغترب من اغترب، وبقي جماعة يقلون عند الفزع، ويكثرون عند الطمع.
رضوا بصفات ما عدموه جهلا
وحسن القول من حسن الفعال
4
يكتب صاحب العزة علي بك فهمي كامل مقالات شيقة تحت عنوان «لو كنا مستقلين» جاء في أولها قوله: «لو كنا مستقلين لعم العلم الديار، وراجت الصناعة في كل الأمصار، وحل اليسر محل البوار، وأصبح المصري في كل مكان، يشار إليه بأطراف البنان.»
وأنا أضيف إلى كلماته الجملة الآتية: لو كنا مستقلين لكثر شعراء الحماسة، وقل شعراء الخلاعة ، ولعادت للشعر مواقفه المشهودة، ومشاهده المعروفة، يوم كان بيت يبعث الحرب، وقصيدة ترجع السلام.
ويقول الكاتب مصطفى المنفلوطي في مقدمة مختاراته: «وأحسب أن ما يتعلق من الشعر بالحماسة ووصف الحروب وأسلحتها ودمائها وغبارها وأشلائها هو آخر ما يحتاج إليه المتأدب في هذا العصر.»
ومعنى ذلك أن عصر البطولة قد مات، وزمن الرجولة قد باد، ولم يبق إلا أن يلبس الشعراء أثواب الندماء، فيقضون الليل في خمر، والنهار في خمار.
ولست ألوم المنفلوطي على أن جعل مختاراته خلوا من الحماسة، ولا أعذل الشعراء على ما فرطوا في جنب البطولة؛ فإن ذلك نتيجة الاستعباد، وعاقبة الاسترقاق.
وكيف يتوفر على الشعر الحماسي شعب يرى أنه غير مكلف بالدفع عن بلاده، والذود عن حياضه، أم كيف يتمدح بالشجاعة من يوصف بالطيش إن أقدم، وبالحزم إن أحجم؟
ولقد كثرت أحاديث الناس عن فتوى الشيخ بخيت ضد البلشفية، وفاتهم أن هذا أثر من آثار التبتل الذي جنته علينا الذلة، ورمانا به الهوان.
والذي يتأمل ما كان من فتوى الشيخ يعلم أنه تأثر بالحكمة القائلة: إن العاقل لا يرضى لنفسه إلا أن يكون مع الملوك مكرما أو مع الزهاد متنسكا، وأنه رضي لنفسه حظ ديوجين الكلبي.
ولقد ساءه أن ينفرد الحلفاء بمحاربة البلشفية، وأن لا يكون لمصر حظ في دفع هذا البلاء، فرمى بفتواه في صدر هذه المذهب الجديد، ليعود وهو صريع.
والذي نعرفه من قوة فتاوى الأستاذ، ومن حججه الدامغة، أن تلك الفتوى كانت جديرة بمحو البلشفية، لو أنها صادفت قلوبا كقلوب المصريين الذين يبجلون الشيخ ويعظمونه، ولكنها نشرت بين قوم ينكرون مصر وعلماء مصر، ويعدونهم من سقط المتاع.
وإني لأخشى أن يصبح علماؤنا وما يعرفون غير السبحة والسواك.
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته
سواهم من جميع الناس إنسانا
كما أخشى أن يصبح شعراؤنا وما يحسنون غير الهزل، ولا يجيدون سوى المجون.
5
في مصر اليوم جماعة من الشعراء، تغنوا كثيرا في الليالي الخوالي، يوم كان الناس يسمرون في المنازل، ويسهرون في البيوت، وكان الرجل يعرف بالشعر، ويوصف بالأدب، لبيت يقوله في تحية رب القصر، أو تكريم السامرين، وربما وصف بالعبقرية لطرفة ينسبها إلى دعبل، أو حديث ينقله عن أبي نواس.
ثم قضى الله أن يرسل إلى بعض القلوب رسول الوطنية، فانتقل الشعر من الخصوصيات إلى العموميات، إلا أن الشعراء كانوا - مع ذلك - مقيدين بقيود من الرياء، فكان حافظ إبراهيم لا يطرب للشعر، ولا يخف له، إلا بحضرة الأستاذ الشيخ محمد عبده.
وكان أحمد نسيم يمزج وطنياته بمدح محمد بك هلال، وكان شوقي يشوبها بمدح صاحب السمو أمير البلاد.
وكنت لا تسمع للشعراء شيئا غير ما يدعون إليه يوم الاحتفال بفتح مدرسة، أو تشييد معهد، «أو فتح بار كما فعل فلان!» إلى غير ذلك مما يساق إليه الشعراء سوقا، بدافع الشهرة، أو دافع المال.
وكانت الأحزاب قد كثرت في مصر، فكان لكل حزب شاعر ولكل شاعر أشياع، فتنافرت الآراء وتناكرت الأهواء؛ إذ كان الشعراء يستمدون وحيهم من سادتهم وكبرائهم، وكان سادتهم منشقين مختلفين، فكانوا يضلونهم سواء السبيل.
ثم شب جماعة آخرون لم يقدر لهم أن ينتموا إلى بعض الأحزاب، فرضوا بالخمول، واكتفوا من الشعر بأبيات يقولونها في الوصف، أو نتف يجيدونها في النسيب، وربما التفتوا إلى ما ينعم به إخوانهم من السعة في العيش، والبسطة في الجاه، فأخذوا في شكوى الدهر، وتأنيب الزمن ووصفوا الأدب بأنه رفيق الفقر، وحليف المسكنة. وكان بجانب هؤلاء جميعا جماعة من النقاد ينقدون اللفظ والمعنى، ويعرضون عن النحلة والمذهب، فكنت تقرأ ما يكتبه الشيخ طه حسين في نقد حافظ، فتراه جملة من المذاهب النحوية، والمباحث اللغوية، وربما رأيت طائفة من ألفاظ السباب في خلال تلك السطور، وضعها الكاتب حلية لبحثه، وزينة لنقده، وكان الويل - كل الويل - لمن يغفل عن ترضية أولئك الناقدين فيمسي وهو مقذوف.