ما لنا ووصف هذه البدائع الفتانة، والنفائس الخلابة، ونحن لا ننعنم بها، ولا شيء فيها من صنع أيدينا؟ إذن فلنترك وصفها وتقريظها لشعراء الغرب أولئك الذين يجدون من السرور بركوبها ما كان يجده العربي وقد علا ظهر البعير البازل، أو تسنم الناقة الهوجاء.
وقد كان أستاذنا الشيخ محمد المهدي يقول - وهو يتحدث عما أبدع الشعراء في وصف الشمعة: لا أدري ما كانت تكون حالهم لو شاهدوا غرائب هذه الأيام؟ إني لا أشك في أنهم كانوا يجيدون.
وليسمح لي أستاذي أن أقول له: إنهم لو عاشوا إلى عصرنا لعجزوا عجزنا؛ فإن الأمر كما قيل:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم
نطقت ولكن الرماح أجرت
وكما قال ابن الزيات:
لك أن تبدي لنا حسنا
ولنا أن نعمل الحدقا
فإن قومنا لم يفكروا في مجاراة الأمم المولعة بأعاجيب الصناعة حتى نجاريهم في أفانين البلاغة.
وإنا لجديرون بأن ننشط إلى الافتنان والابتداع، إن نشطوا إلى الابتكار والاختراع، وإلا فليلوموا أنفسهم - إن كانوا منصفين.
3
قل لي - بربك - ما أنت صانع لو زرت الأهرام، وكنت ممن رزقوا الشعر الفصيح، والخيال البديع، أتغرب في وصفها بالوسامة الشاملة، والقسامة الكاملة، وتتغنى بارتفاعها الباهر، واتساعها النادر، فتسلك سبيل الفاهمين من أهل مصر القديمة، والغافلين من أهل مصر الحديثة، أم أنت سالك غير تلك السبيل، وخائض في غير ذاك الحديث؟
ما زلت أسمع الشعراء من حولي يتغنون بالحضارة القديمة، ويشيدون بذكر الفراعنة، ويلهجون بمجد العرب، كأن مصر ما زالت سيدة العالم، وكأن رجالها ما زالوا خير الرجال، وكأن العرب ما زالوا سادة المشرقين وقادة المغربين، قاتلكم الله! تضحكون في موضع البكاء، وتفرحون في موقف الحزن، ولو كانت لكم ضمائر شاعرة وبصائر ناظرة، لبكيتم مع الباكين، ونحتم مع النائحين، فقد ذلت هذه الآثار بذلكم وضعفت بضعفكم، وأضحى هرم خوفو.
كأن الصبا توفي نذورا إذا انبرت
تراوحه أذيالها وتباكره
لقد كثر شعراء مصر، وتوفروا على معنى واحد، كما تكثر الأشجار في بقعة واحدة، فيأكل بعضها بعضا ثم لا تزهر ولا تثمر.
وقصارى أحدهم أن يفتخر بأنه مصري أو عربي، يريد أنه من بقايا الفراعنة، أو من سلالة الأفيال.
أهؤلاء الجبناء، الذين يخافون ظلهم، ويهابون طيفهم، من ذرية أولئك الذين أخضعوا الأرض وهموا بمحاولة السماء فحاربوا الناس تارة، ونازعوا الآلهة أخرى؟
أهؤلاء من سلالة ذلك الذي قال: يا هامان! ابن لي صرحا، لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى؟
تعالى الله في سمائه، وكفر فرعون وهامان، ولكن أليس من العجب أن ينتسب هؤلاء الأصاغر إلى أولئك الأكابر وهم أذل من قراد بمنسم، وأضيع من الأيتام على مائدة اللئام؟!
ولقد يذكرون أن المأمون قال لوزرائه يوم زار أهرام مصر: إنها مبان جليلة، ومنازل شامخة، ولكنها لا تستحق أن يحاول صاحبها السماء لينازع الإله، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين إن الله يقول:
ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .
فإذا كانت هذه بقايا ما دمر، فكيف كانت تلك العروش؟ فبهت المأمون وسكت.
يقولون: إن الولد سر أبيه، فما بال أبناء النيل في ذلة، وأحفاد العرب في ضعة؟
أيستطيع أحد من شعرائنا الآن أن يقول كما قال قيس بن الحطيم:
وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة
أسب بها إلا كشفت غطاءها
فإني في الحرب الضروس موكل
بإقدام نفس ما أريد بقاءها
متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة
لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
إذن فكيف يجرؤ هؤلاء أن ينتسبوا إلى العرب، أو ينتموا إلى الفراعنة، وهم ما يحسنون غير التهنئة بمولود، أو التعزية بمفقود، كأنهم ما خلقوا إلا ليبكوا مع الباكين أو يضحكوا مع الضاحكين؟
أين شعراء الوطنية؟! أين عشاق الحرية؟!
فهذا أوان الشعر سلت سهامه
معا بلها والمرهفات السلاجم