تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن الذي يريد أن يتكمل في الشعر والأدب فلا بد أن ينظر فيما ترك الأدباء في مشارق الأرض ومغاربها، من الآثار الأدبية والطرائق العلمية؛ إذ كما لا يمكن للرجل الواحد أن يخترع علما ثم يكون أول الناس وآخرهم فيه؛ فكذلك لا يمكن لأمة واحدة أن تقوم بحاجة البشر في فن من الفنون - ولا سيما في الآداب التي هي خلاصة الأفكار ونتيجة الخواطر.

لذلك رأى رجال الجامعة المصرية - وهم من نعرف في بعد النظر وأصالة الرأي - أن تدرس آداب اللغة الإنجليزية والفرنسوية، بجانب آداب اللغة العربية، فكان ذلك فضلا إلى فضل، وأدبا إلى أدب. وإذا لاحظنا أن أدباء الإنجليز من أحرص الناس على العلم والأدب وأعلمهم بلغات الأمم وآدابهم، وأشدهم عناية بتقييد الأوابد، وضم الشوارد، وأكثرهم ضربا في الأرض، وسيرا في الأقطار، وأكثرهم تعرفا لأحوال الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أشكالهم، إذا لاحظنا كل ذلك؛ عرفنا أن آداب اللغة الإنجليزية إنما هي خلاصة آداب الأمم؛ إذ كانت نتيجة التجارب العديدة، والمشاهدات المختلفة، في أكثر بقاع الأرض، وأغلب أنحاء المعمورة.

وكذلك يكون العارف بآداب هذه اللغة عارفا بآداب أمم عدة لا أمة واحدة، وإذا لاحظنا أيضا أن آداب اللغة العربية إنما هي آداب أمم مختلفة جمعها الدين وألف بينها الإسلام، كما أن آداب اللغة الإنجليزية آداب أمم شتى؛ عرفنا أن العارف بآداب اللغتين العربية والإنجليزية من أغزر الناس مادة في الأدب وأرسخهم قدما في عالم الشعر، فهنيئا لإخواننا الذين تمكنوا من آداب لغتهم العربية، ثم تكلموا بآداب اللغة الإنجليزية، فشربوا من الكأسين، وتحلوا بالفضيلتين، والسلام.

2

ألقيت خطبة في فندق شبرد تكريما للمستر ورتهام أستاذ آداب اللغة الإنجليزية، في الجامعة المصرية، رددت فيها على القائلين بوقوف الحركة الشعرية، لوجود الدواعي متماثلة متشابهة في كل العصور، ووازنت بين دواعي الشعر بالأمس ودواعيه اليوم، وأنحيت باللائمة على الشعراء الجامدين، الذين لا يزالون يترسمون خطوات من سبق، وهم عن الجد معرضون.

غير أني نظرت إلى تلك الدواعي من الوجهة الطريفة، فجعلتها في الرياض الزاهرة، والبحار الزاخرة، وفي البدور الطوالع، والشموس السواطع، وأضفت إلى ذلك ما يكتسبه الفكر من النظر في الآداب الأجنبية التي قد تزيد أدبنا وضوحا وبيانا، إذا عرفنا أن الناس من نفس واحدة، وأنهم يسعون إلى غرض واحد، وهو فهم حقيقة الكون والثناء على الله.

واليوم أقول: إن تلك الدواعي السالفة إنما هي لقوم بلغوا من الحضارة والرقي، ما يسمح لهم بالتفكير في الجمال، والتفنن في وصف غرائبه: من الظباء النوافر، والحسان الأوانس، ورأوا من قومهم نفوسا عاشقة لطرائف الحسن، وقلوبا تائقة لبدائع الشعر، فقالوا في وصف الرياض والأزهار والبحار والأنهار، والقصور المشيدة، والصروح الممردة، وخاطبوا النفوس الناعمة، والقلوب الوادعة، وانتقلوا من عالم الحس إلى عالم الخيال، فوصفوا أحلامهم اللذيذة، وآمالهم الحلوة، إلى غير ذلك مما يجد في قلوب أهل السعة ونفوس أهل الرغد ميدانا يمرح فيه وروضا يأنس به، وكذلك نفوس الشعراء، في أيام الرخاء.

أما دواعي الشعر في هذا البلد، وفي هذه الأيام فهي غير أسبابه تلك؛ لما ترى من الفرق الظاهر بين عامتنا وخاصتنا، وقلما يتغنى الخاصة بالشعر، وإن لم تصغ العامة إليهم، ويفتحوا لهم آذانهم وقلوبهم.

وهل يطرب الناس للشعر وهو يصف ما لا يحسون به، ويتحدث عما لم يستطيعوا إليه السبيل؟

ولقد كان عجبا عند الشاعر حافظ إبراهيم أن يجيد العرب وصف الناقة،

وهي تلك المركب الصعب ولا نجيد نحن وصف ذلك المركب الذلول «الأوتومبيل»، ولو لحظ أن الشاعر العربي ما أطنب في وصف الناقة إلا لأنها كل شيء عنده، ولأن أهله ورفاقه يعرفون من صفتها ما يعرف؛ لعلم أن السر في عجزنا عن وصف الأتومبيل، ليس هو ضيق اللغة - كما زعم - بل لأننا ننظر إلى هذه المخترعات في الأرض كأننا ننظر إلى الشمس في السماء.

البدائع · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٣٥