لا يخجل لويد جورج ولا يتحرج من أن يقول إنه فقير؛ لأن الغنى لم يمنع آلاف الناس في إنجلترا من أن يودوا بجدع الأنف - لو أصبحوا فقراء - على أن يكون لهم ما لهذا الفقير من مجد شامخ يعز على من رامه ويطول. ولكن بعض الناس في مصر وفي غير مصر يخفي فقره ويسامي الأغنياء، فيكون مثله كمثل الضفدعة التي راقها جسم الثور فأخذت تنتفخ عساها تصبح في ضخامته حتى بقرها الانتفاخ.
ولئن حمدنا للمستر لويد جورج وقفته هذه في وجه الحياة يطلب ما خلق له من السيطرة على الناس بآرائه الأدبية والسياسية بعد هيمنته عليهم هيمنة فعلية حين كان رئيسا لأقوى حكومة في العالم الحديث؛ فإنا لنحمد للأمة الإنجليزية والشعوب الأمريكية هذه الشهوة الحادة، شهوة الاطلاع التي جعلت رسائل هذا الوزير مما يتنافس فيه المتنافسون، حتى لتصبح شغلا لثلاثين جريدة لهن ما لهن من الدوي الشديد في آذان الملايين من أحرار العقول!
لقد غلا كل شيء في الغرب حتى المداد، ورخص كل شيء في الشرق حتى الدماء! وإن قطرات من الحبر يسود بها لويد جورج وجه القرطاس لأعز منالا من الدم القاني يسفح في سهول الشرق، وإن بكت له الأرض والسماء.
وبيدكم - أيها الشرقيون - كشف هذه الغمة، ومحو هذا الظلام، فلو شئتم أعززتم نفوسكم وأغليتم دماءكم، ولن يكلفكم ذلك أن تكونوا نارا تلتهم القابسين والمستصبحين، بل يكفي أن تكونوا نبتة مرة المذاق ينفر منها أولئك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون.
اعملوا في شبابكم بعض ما يعمل لويد جورج في مشيبه، واعلموا أن الأمم لا تحيا بالقيل والقال وكثرة السؤال، وإنما تحيا بالأعمال العظيمة يقوم بها جبابرة المفكرين من حيث لا يبتغون الجزاء.
المعاهد والعهود
ألفت النوح بعدك والسهودا
وودعت التصبر والهجودا
وأضمرت الأسى لما تولى
زمان كان لو دمتم حميدا
وقد رقت دموع العين حتى
لتحسبها لرقتها خدودا
بليت من الغرام بكم ولكن
أرى كلف الفؤاد بكم جديدا
وما طمع المعذب أن يراكم
وقد ضن الخيال بأن يعودا
إذا ما قلت أجلى الوجد عني
تذكرت المعاهد والعهودا
| قبل الطعام والشراب
أين عهد الهمجية؟
أين عهد الانحطاط؟
أين عهد الخمول؟
رحم الله تلك العهود: فقد حدثونا أن الحكومة المصرية كانت تأخذ الأطفال قهرا من أيدي آبائهم، وحجور أمهاتهم، بين البكاء والعويل لتعمر بهم دور العلم التي أنشأتها لرحمة الأمة من بلايا الهمجية والانحطاط والخمول! وقد حدثونا أن الحكومة المصرية كانت تخرج الشبان من ديارهم لتبعثهم إلى العواصم الأوروبية، بالرغم من التمائم التي كان الآباء يعوذون بها أبناءهم من «التغرب في بلاد بره!» وقد حدثونا أن الآباء والأمهات كانوا «يقيمون الولائم لأهل الله والأولياء، ويوزعون الصدقات على المساكين والفقراء، ويقرءون الفاتحة والصمدية والمعوذتين ثلاثمائة مرة عند الشروق وعند الغروب.»
كل ذلك ليرحم الله أولادهم من دخول المدارس، ويقيهم شر السفر إلى لندره أو باريس أو برلي! فما كان الله - وهو أرحم الراحمين - ينظر إلى زفراتهم المحرقة، وعبراتهم المغرقة، بل كان يعين الحكومة عليهم فيصبح أبناؤهم - بالرغم منهم - تلاميذ في المدارس أو أعضاء في البعثات العلمية.
فيا رب - وأنت الحكم العدل - إليك نشكو «وجودنا» في عهد المدنية والرقي والنهوض! لقد كان آباؤنا يساقون إلى المدارس سوقا، فيتعلمون وهم راغمون، كما يؤجر المؤمن رغما عن أنفه! وها نحن أولاء نقاسي ألوان العذاب، كلما اشتعلت في صدورنا نيران الشوق إلى العلوم والفنون.
يا رحمة الله لهذا القلب الحزين! لقد قضيت بضع سنين وأنا ظامئ أترقب؛ لعل طيف «الزمن الماضي» يطيف بي فجأة، فأصبح وقد وجدت من مناهل العلم ما يطفئ تلك النار التي تتأجج في صدري فلا تجد غير الرجاء من وقود! وهأنذا أتلفت ذات اليمين وذات الشمال، فلا أجد غير أنداد في التعاسة، وأشباه في الشقاء.