تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأستقل لأجل الفضل ما سمحت

به الليالي لأهل الفضل من محن

حتى بلغت بجدي بعض ما طمحت

إليه نفسي كما يرجوه لي وطني

فاليوم أهديك ما أبدعت من أثر

أبقى على الزمن الباقي من الزمن

ولدكم

زكي مبارك

| إهداء البدائع

إلى حضرة النطاسي البارع الدكتور محمد عبد الحي

صديقي العزيز

أهديت لسيدي الوالد أول كتاب أخرجته للناس، ثم بدا لي أن أهدي هذا الكتاب إلى من يشبه حضرة الوالد في بره، وعطفه، وإحسانه، وهأنذا أهديه إليك، جزاء بما قدمت إلي من معروف، وإن جلت أياديك عن الجزاء والسلام.

زكي مبارك

ليسانسيه في الآداب

قسم العلوم الفلسفية والأدبية

القاهرة، في أول أبريل سنة 1923

| دمعة على رئيس الحزب الوطني

المغفور له محمد بك فريد

سلوا برلين عمن حل فيها

يفتت كبده المرض العنيد

مضى يستوهب الأيام عمرا

تتم به المساعي والجهود

فلم يذهب بعلته طبيب

ولم يكتب له عمر جديد

وخر على السرير وحب مصر

على تبريح علته يزيد

فما ضمن البقاء له صديق

ينادي لا عدمتك يا فريد •••

فيا لهفي عليك وأنت كهل

غريب عن أحبته بعيد

تموت فلا ترى مثواك أم

ولا أخت ولا زوج ودود

ولا يروي ثراك أخ شقيق

بدمعته ولا طفل وليد •••

فلا يشمت بمنعاك الأعادي

ولا يفرح ببلواك الحسود

فتلك بلية لم ينج منها

على إشراق عزته الرشيد

ومن يك مثلنا حسبا ومجدا

تشجعه الصواعق والرعود

فإن يك سرهم منعى فريد

فكل غضنفر منا فريد

| الحياة الحرة

يذكرون أن السيد جمال الدين الأفغاني رفض مساعدة المصريين له وهم يودعونه إلى منفاه، فلما ألحوا عليه أقنعهم بهذه الكلمة «أينما توجه الليث وجد فريسته»، وقد كان السيد جمال الدين الأفغاني يستطيع مكاثرة «قارون» لو كان للمال عنده قيمة، ولكنه كان رجلا يستقل الموت في سبيل الشرف، فلم يكن عجبا أن يستقل في سبيله العدم والإقلال!

واليوم نسجل ما نقل عن المستر لويد جورج من الرغبة الشديدة في الحياة الحرة؛ لأن في ذلك عبرة لأولي الأبصار، فقد جاهر الرجل الذي دوخ العالم بضع سنين بأنه مضطر إلى طلب الرزق، وصرح بأنه فقير، ولا عار عليه في فقره إن عمل لسد حاجته من طريق شريف.

سقط لويد جورج ثم تأمل فإذا هو خالي الوفاض، ثم نظر حواليه نظرة الليث الجائع، فإذا كل ما في الأرض من طعام وشراب، قد لوثه الذباب، ففزع إلى قلمه يستصرخه، فأمطره شآبيب الرزق الحلال.

اتفقت جريدة النيويورك تيمس والشيكاغو تريبون مع المستر لويد جورج على أن يقدم لهما كتابه «ذكريات الحرب»، ليختصا بنشره في مقابل أربعين ألفا من الجنيهات يأخذها دفعة واحدة حين يسلمها الكتاب.

ثم اتفقت معه بعد ذلك جمعية النشر الأمريكية على أن يكتب لهما مقالات أسبوعية تنشر في صحفها التي تزيد على ثلاثين صحيفة، في مقابل سبعة آلاف وخمسمائة من الجنيهات، ولكن مراسل النيويورك تيمس والشيكاغو تريبون خاطب هاتين الجريدتين حين علم بهذا الاتفاق وسألهما: أيدخل في مزايدة ويتفق مع المستر لويد جورج على 8500؛ أي بزيادة ألف جنيه عن المبلغ الذي قبله من جمعية النشر؟ وهل له أن يزيد المبلغ إلى تسعة آلاف جنيه؟ فجاءه الرد بأن يحتج على هذا الاتفاق؛ لأن اشتغال لويد جورج بهذه المقالات يؤخر وضع كتابه، ولأن ظهور هذه المقالات أسبوعيا قد يصرف الناس عن ترقبه، فلما رفع المراسل إليه الاحتجاج كتب من فوره إلى الجريدتين خطابا طويلا جاء فيه:

ما ظننت لحظة أن العقد الذي وقعته يمنعني من نشر المقالات السياسية، ولو رأيت فيه مادة من هذا القبيل لفرضته، فقد عولت بعد أن استقلت على الاشتغال بالكتابة في الصحف بغض النظر عن كتاب «ذكريات الحرب»، ولقد خدمت الحكومة سبعة عشر عاما ثم خرجت وأنا فقير، فلم يكن بد من أن أكتسب بقلمي بعد ما وقفت ما سآخذه منكم على الصدقات.

هذا لويد جورج بطل إنجلترا يودع رئاسة الوزارة ويودع معها الجاه والمال، ليستقبل الحياة الحرة، وليفتح بقلمه ممالك عجزت عن فتحها الجيوش والأساطيل! وهكذا يشغل العظماء عن أنفسهم حين يتولون المناصب الرفيعة، فإذا تخلوا عنها أصبحوا فقراء كأنما يطرقون باب العالم من جديد. أما صغار النفوس فلهم من مصالحهم الشخصية شاغل عن مصالح الجماهير، والمناصب فرصة لهؤلاء يدخرون فيها الدراهم البيض لليالي السود. افتحوا أعينكم أيها الناس وتأملوا كيف عجز لويد جورج - وقد ملك المشرقين - عن أن يدخر لنفسه «بدرة من الذهب» ينفقها حين يخونه الحظ ويسلمه التوفيق!

البدائع · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٢