وقد سألني بعضهم عما يعني القارئ من هذا التفصيل فأجبته: إنه يعني مؤلف الكتاب.
ويرى القارئ هذه الكلمة عن عواطف أهل الحضر:
وقلما يصدق للحضريين حب، أو تبقى لهم صبابة؛ إذ يرون من متممات الظرف، ومكملات الأدب، أن يحيى الرجل بعين باكية، وقلب خفاق، فلا يزالون يتلمسون الهوى، ويتحسسون الصبابة، حتى تتاح إليهم أسبابها، وتساق إليهم همومها.
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتل
وهذه مسألة فيها نظر - كما يقولون - ولا أستطيع أن أعد ما في كتاب «حب ابن أبي ربيعة وشعره» من الهفوات، ولكني أحمد الله على أن وفقت إلى تصوير ابن أبي ربيعة وتمثيل حياته، حتى كأنك تراه.
ولا يفوتني أن أذكر أن حضرة صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى القاياتي قرظه بكلمة بارعة، نشرتها في مقدمة الكتاب، لا حبا في الثناء، ولكن حرصا على هذا الأثر النفيس، وأسأل الله التوفيق إلى تحقيق ما أطمح إليه من إحياء الآداب العربية، وهو حسبي ونعم الوكيل.
| ذكرى صديق
كان مسلم بن الوليد يعجب من اتفاق اليأس والحنين، وكنت أشاطره العجب، فأترنم بقوله:
حنين ويأس كيف يلتقيان
مقيلاهما في القلب مختلفان
ثم أصبحت مؤمنا بهذا الاتفاق، فلا أراه عجيبا، فقد مات صديقي الشيخ حسين الحكيم منذ سنين، وأمسيت يائسا من لقائه، بل الطمع في لقائه جنون، ولكني أحن إليه كأنه حي وأكاد أزوره في منزله؛ لأنسى - حين ألقاه - همومي وأحزاني!
والحق أني لا أريد الاقتناع بأنه مات؛ فليس إلى الصبر على موته سبيل، وإنما أغالط حسي، وأخادع نفسي فأتوهم تارة أنه على سفر، وأن هذا السفر طويل ، وأتخيل تارة أخرى أن الموت لا حقيقة له، وإنما ننقل من دار إلى دار - كما قال أبو العلاء - وأني سأجده في انتظاري حين أنقل إلى الدار الباقية، فإلى الملتقى يا صديقي العزيز.
آمنت بالله، فما أحوجني إلى الإيمان وما أغنى الله عني وعن إيماني، وعن جميع العالمين، وماذا يغني الشك؟ إنه لا يقف دورة الفلك، ولا يحول بين القدر وبين تصرفه في الكائنات بالمحو والإثبات، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. آمنت بأن الله قوي وأن العبد ضعيف، وآمنت بأن الله عزيز وأن العبد ذليل. ولكن أليس لي - في ضعفي وذلي - أن أطلب من الله - في عزته وقوته - أن يهبني الطمأنينة على مصيري ومصير من أفقد من الأصدقاء؟ •••
ولد الشيخ حسين الحكيم في سنتريس، من قرى المنوفية، ثم سكن القاهرة، والتحق بمدرسة القضاء الشرعي ونال منها شهادة العالمية، ثم عين مدرسا بمدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، فقضى سنة في المدرسة الواصفيه ببورسعيد، وبضعة أشهر في مدرسة دسوق الثانوية، وقضى نحبه هناك يوم الجمعة 9 ربيع أول سنة 1337 / 13 ديسمبر سنة 1918، ثم نقل إلى القاهرة مساء السبت ودفن بها مساء الأحد - وسبحان من تفرد بالبقاء.
كان للفقيد أصدقاء ثلاثة، وما زالوا أصدقاءه وإن حجبه عنهم التراب أولهم كاتب هذه السطور، وثانيهم الأستاذ الشيخ حسن مأمون قاضي محكمة زفتى الشرعية، وثالثهم الشيخ مصطفى الجمل المحامي الشرعي؛ ففكرنا بعد موته في أن نوفيه حق الرثاء في إحدى الجرائد اليومية، فكتبت عنه أربع رسائل بعثتها إلى جريدة المنبر، ولكنها ألقت بها جميعا في سلة المهملات؛ إذ كانت لا تعرف ما نعرف من مجد ذلك الصديق، فضممت تلك الرسائل إلى صورة الفقيد، وإلى خطاب بعثه إلي من القاهرة، وخطاب بعثه إلي من بورسعيد، ووضعت هذه الذكريات في مكان حريز آملا أن يجيء يوم أسجل فيه هذا الأثر الغالي، فلما كانت الثورة المصرية وجاء دوري في الاعتقال لم يكن همي حين زارني في منزلي مأمور قسم الدرب الأحمر إذ ذاك المرحوم محمد بك فرج إلا أن آخذ معي إلى المعتقل ما بقي من آثار الشيخ حسين الحكيم؛ لتكون أنسي في وحشة الاعتقال، فلما عدت وضعتها في مكانها من جديد، وصرت أتردد إليها كما يتردد العابد إلى المحراب، ثم فتش البوليس منزلي في الصيف الفائت فبعثر هذه الأوراق، فأعدتها إلى مكانها مرة ثالثة، ولكن البوليس عاد ففتش منزلي في الأسبوع الماضي، فعزمت نهائيا على نشر هذه الآثار في كتاب البدائع لأقوم لصديقي الراحل ببعض ما يوجب الوفاء.