تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نرجو أن يخرج العلماء من عزلتهم ويستعيضوا من أبحاث الفلسفة القديمة وشبهاتها درسا لفلسفة هذا العصر وما استجد فيه من الشبهات، ولا يليق بهم أن يكونوا أصواتا تحكي أصوات أسلافهم الأقدمين في عصر لا يسمع هذه الأصوات ولا يعرفها.

إن العلماء لا يؤدون حق الدين عليهم إذا توالت هجمات أعدائه عليه وهم وقوف يشاهدون.»

زمان الصبا

زمان الصبا هلا عن الغي ناهيا

فترحل محمودا وتحمد ثاويا

صرفت نفوس الناشئين عن العلا

وأوردتهم يما من الجهل طاميا

لقد كنت عهد الجد لو أبصر الفتى

فودع رياه وأصبح ساليا

ومن لم ينل عند الشبيبة حظه

من المجد لم يخضع له المجد ثانيا

أقول وقد أبصرت مجد عشيرتي

جزى الله قومي خير ما كان جازيا

همو سلكوا للمجد كل تنوفه

وهم غرسوا مجدا على الدهر باقيا

فلست لقومي إن جريت مع الصبا

فدنست عرضي أو عققت رشاديا

إلى ...

مودة لك لم أظفر بزينتها

تقطع الحب في آثارها قطعا

وزادني كلفا في الحب أن منعت

أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

| حب ابن أبي ربيعة وشعره

في فبراير سنة 1919 ألقيت ثلاث محاضرات في الجامعة المصرية عن حب ابن أبي ربيعة وشعره، تحت إشراف الأستاذ النقادة الدكتور أحمد ضيف، وقد طبعت هذه المحاضرات بعد إلقائها بقليل، ويرى الناظر في ذيل الكتاب هذه الكلمة الجريئة:

وإني لموقن أن في الناس من لا يطرب لهذا النحو من البيان، ولكني لم أكتبه إلا لمن قدر له أن يدرك أسرار الجمال، وهدى الله من يحسب أن التأليف لا يصح إلا في الأبحاث التي تشبه بعض الأذهان في الجمود!

وقد نفدت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وستظهر الطبعة الثانية عما قريب، من أجل هذا أسبق النقاد إلى بعض المآخذ التي أراني مضطرا إلى إبقائها؛ إجلالا للثقة بالنفس، وإكبارا لنزق الشباب!

انظر قول ابن أبي ربيعة:

أبرزوها مثل المهاة تهادي

بين خمس كواعب أتراب

وهي مكنونة تحير منها

في أديم الخدين ماء الشباب

ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا

عدد الرمل والحصا والتراب

أتدري كيف علقت على هذه الأبيات الحسان؟ اقرأ الكلمة الآتية:

ووجه الحسن في تحيير ماء الشباب أنك تنظر إلى الخدود الموردة، فتراها كالشفق تتنقل من تحته الشمس، أو كالمشكاة يتموج في قلبها المصباح.

في سبيل الحب تلك النظرة، يوم رأيته وقد أبل من حمى أضرعته، فرأيت ماء الشباب يدب في تلك الخدود وهي صفراء كالورس، فيعيدها حمراء كالورد، وإذا الأنس يتمشى في فؤادي لشفائه، تمشي البرء في أعضائه.

وهذا استطراد لا يشك القارئ في أنه غير محمود، ولكني أستغفر الله!

وفي موطن آخر يجد القارئ هذه الكلمة:

لم يكن ابن أبي ربيعة ممن إذا غاب عنه حبيب أخذ في البكاء عليه والحنين إليه، تلك سبيل الشعراء الفجعين، الذين كانت قلوبهم أعوانا للدهر عليهم، وكانت نفوسهم أخصاما لهم، أولئك هم المعوزون في عالم المحبة، والمحرومون في دولة الصبابة، أولئك الذين يرون الجمال ظلا ظليلا، ثم لا يستطيعون أن يتفيئوا ظلاله، أولئك الذين يحسدون الغلائل على الأعطاف والعقود في النحور. وكيف يكون ابن أبي ربيعة مثلهم مسكينا في شعره، وما كان مسكينا في حبه؟ أم كيف يصف البكاء والمدامع، وما ألمت نفسه ولا دمعت عينه؟ بعدا للذلة حتى في الحب، وتبا للمسكنة حتى في الغرام.

وهذه صورة نفسية قد لا يقتضيها موضوع الحديث، ولكن هذا الذي كان.

ويرى القارئ في هامش الصحيفة الثانية عن ترجمة الشيخ حسين الحكيم ما نصه:

وكان - رحمه الله - آية الآيات في حسن الخلق، وصباحة الوجه، وأصالة الرأي، وحلاوة الحديث، وكان لا يعدله عندي غير شقيقي «سيد مبارك» الذي فقدته معه في أسبوع واحد، وكان موتهما معا بالحمى الإسبانية - لا رد الله لها غربة ولا قدر لها رجعة - وكان أخي سيد من أقوى الفتيان بأسا وأمضاهم عزيمة، ولو عاش لضربت بشجاعته الأمثال.

البدائع · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٢٨