تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان صديقي الشيخ حسين لا يرسل إلي خطابا إلا ابتدأه بوصف ما أرسل إليه من الشعر، أو النثر، ولو كنت أرى رأيه في شعري ونثري لنشرت ما بث به إلي من آيات الثناء، ولكني أرجوه أن يأذن لي بطي هذه الصحيفة فقد لا تهم القراء، وأكتفي بنشر ما يمثل سمو نفسه، وصفاء روحه، ورونق أدبه، وجمال خلقه ... فمن ذلك خطاب بعثه إلي بتاريخ 5 مايو سنة 1918 جاء فيه:

أخي، لقد حالت بيني وبين الانتفاع بآثار قلمك، والتمتع بمكنون نظمك ونثرك، ضرورة حياتي الجديدة التي أنستني كل شيء - ما عدا صداقتنا الوطيدة الأركان المتينة الدعائم - وما كان بودي - شهد الله - ولا عن رضا، ولكنها الحياة، تشغل المرء عن نفسه، وتلهيه عن واجبه، وكان ما كان.

والآن، هل لأخي أن يفتح لي قلبه، ويحلني من نفسه المحل الذي كنت أشغله من قبل؟ وهل أجد من كريم أخلاقه، ولطيف عفوه، وجميل رعايته، وحسن عطفه ما يشجعني على إحياء حب دفين، وغرام مستكن كاد يقضي عليه الإهمال، ويسحب ذيل العفاء عليه النسيان، ويذهب برونقه وبهائه باطل هذه الحياة العاتية؟

إنك إذا فعلت ذلك يا سيدي - وأظنك فاعلا - تكون قد أحسنت إلي إحسانا لا أزال أذكره، حتى يعتاق نفسي حمامها، ويهال عليها ترابها، وضممت هذه إلى نظيرتها - وهي كثير عندي - بل هي كنزي الثمين، أحرص عليها حرص البخيل بماله، والعفيف بعرضه، هي سلواي في هذه الديار النائية، والبلاد القاصية إذا ذكرتها ذكرت نعيمنا الماضي وعزنا الغابر وهناءنا السالف.

يوم كنا ولا تسل كيف كنا

نتهادى من الهوى ما نشاء

نعم تصرم حبل ذلك الزمان السعيد، وخلفه آخر أسود من الغراب وأمر من الصاب، يصدق فيه قول الشاعر:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ولولا أنه أراد الإنسان وأردت الزمان فكلاهما غادر ماكر لا يؤمن كيده ولا يتقى شره، ولا رعى الله حياة التدريس لأطفال حمر الحواصل، لا يحسنون النطق، ولا يفرقون بين التمرة والجمرة، ولا بين الألف والمئذنة، حياة شبيهة بالموت، تمسخ العالم جاهلا، وتقلب المفكر غبيا، وترجع بالمرء إلى ما قبل الآن بعشرات من السنين ... فتجاوز عما تمر به في كتابي من أشياء لا ترضيك؛ فهذه إحدى سيئات الدهر إلينا.

وفي هذا الخطاب كلمة قاسية في وصف بورسعيد؛ إذ يراها «قطعة من أوروبا في الأخلاق والنظام والعادات»، وقد رأيت التجاوز عن هذه الكلمة، مراعاة لعواطف أولئك الناس، فقد تكون الغربة أثرت في ذلك الأديب فقال ما قال!

ولا أنسى أنه أجزل الثناء على صديقيه الشيخ محمد طاهر سمره ومحمد أفندي بهجت، ولعلهما كانا زميليه في المدرسة الواصفية، وأحب أن يتنبه القارئ إلى أن في القطعة التي نقلتها من خطابه دليلا على شعوره بأن أجله قصير، وقد لفتني إلى ذلك حضرة صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى القاياتي حين أسمعته هذا الخطاب في سنتريس - وكان شرفني بالزيارة هناك.

وقد أرسل إلي من مصر خطابا رقيق الحاشية، استهله بهذا البيت:

سلام الله لا أرضى سلامي

فكل تحية دون المقام

وفي هذا الخطاب كلمة عن رأيه في التسرع بالزواج، ننقلها بنصها؛ لأهمية الموضوع الذي كتبت عنه، قال:

وكنت أتمنى من صميم الفؤاد أن يسعدني الحظ، فأنعم برؤية ذلك المهرجان الذي أقامه حضرة الوجيه السيد عبد الحميد مبارك احتفالا بزفاف نجله الأديب الشيخ علي مبارك لأقوم بواجب التهنئة، ولأوجه إليه بعض اللوم على تسرعه في هذا الزواج، فأنت تعلم يا أخي أن للشبان أطوارا مختلفة في حياتهم، تتكون حسب تربيتهم التي خصصوا أنفسهم لها، وبما رضي الشاب بعمل اليوم، لقصر نظره وصغر عقله، حتى إذا دخل في طور جديد من أطوار حياته، تحول في عينه نعيم هذه الدنيا إلى شقاء، ورضاه إلى سخط، وبندم ولات ساعة مندم.

وآخر خطاب وصلني من هذا الصديق جاءت في ختامه هذه الكلمة:

البدائع · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٣٠