تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا حق يجب أن نجهر به، وليس إخلاصنا لأساتذتنا في الأزهر بمانع من أن نواجههم بهذه الحقيقة، بل إخلاصنا لهم يفرض علينا دعوتهم إلى نبذ هذا الخمول؛ فنحن قادمون قريبا أو بعيدا على حياة عاملة، أخشى كثيرا أن يتخلفوا فيها عن الأحياء. ولست أدري لم أشتهي أن أصارح أستاذنا الدجوي بأن ما نقرؤه له في الدفاع عن الدين لا يغني شيئا؛ ما دام لا يوجه بعض جهوده إلى إصلاح المعاهد الدينية. ولست أدري أيضا لم أحب أن أكون صريحا مع هذا الرجل الذي أشعر بأنه من صفوة المؤمنين، فقد كان الظن به أن يساعدنا - ونحن أبناؤه - على ما نقاسي في الأزهر من همجية سيصبح الأزهريون صرعاها بعد قليل.

ولو أن فضيلة الشيخ الدجوي كان من قطر غير هذا القطر وزار الأزهر ولواحقه؛ لما شك في أن العلماء ضعيفو الإيمان، وإلا فما رأيه في رئيس يفرش بيته بالبساط، ويضيئه بالكهرباء ويترك الأزهر بلا ضوء وبلا حصير؟

إن رينان على حق فيما وصف به المسلمين، نحن الذين أسأنا إلى ديننا إساءة قد لا يتجاوز الله عنها، وقد لا ينساها التاريخ، فما ذنب رينان؟ لقد ذكر أن بعض المسلمين كان يحرق المكاتب العلمية ... فما رأي مولانا الشيخ الدجوي في أن علماء هذا العصر يقتلون أبناءهم بلا رحمة، ويسومونهم سوء العذاب .

هنيئا لك يا سيدي الأستاذ، سينصفك التاريخ؛ لأنك تعمل شيئا يحفظه التاريخ، وويل لكل طالب يرميه أهله في جحيم الأزهر فيفقد شبابه وقوته، ثم يخرج إلى العالم فلا يفقه منه شيئا ولا يعرف العالم عنه شيئا؛ لأنه كان يحفظ أشياء لا صلة لها بالعصر الذي يعيش فيه.

إننا نغضب حين يظلمنا رينان وأمثال رينان، ولكننا نتلقى المظالم باسمين حين يظلمنا كبراؤنا وعلماؤنا ... بارك الله في رينان ومن ذكرنا بخطبة رينان؛ فقد يكون لهذه الخطبة ذكرى تنفع المؤمنين.

تكلم يا مولانا الشيخ الدجوي، تكلم يا أبيض الناس وجها وأفصح الناس لسانا، وأقسم لولا حبي لك لما خصصتك بهذا النداء. تكلم؛ هذا حين الكلام، لا تكفينا كلمة في الرد على هذا أو ذاك، لن يغنينا تفنيدك لأعداء الإسلام ما دام المسلمون أنفسهم مساكين، وما دام طلبة المعاهد الدينية في ظلمة قاتمة من هذه الحياة «الدنيا» التي رماهم بها نظام الأزهر العتيق.

اكتبوا ما شئتم، وارموا الناس جميعا بالإثم والفسوق، ولكن لا تنسوا أن الأزهر إن ظل على هذه الحال فلن يكون مآله غير الخراب، اعرفوا في أي عصر تعيشون، واعلموا أن الدين لن ينهض بنفسه؛ لأن الحق لا حياة له إذا نام عنه أنصاره وأشياعه.

كذب رينان فاصدقوا أنتم، وضل تابعوه فاهتدوا أنتم، والحذر من أن تسكنوا إلى ما يمتدح به الممتدحون من مجد الحضارة الإسلامية في عهد العباسيين والفاطميين؛ فتلك أيام خلت، ولا ينفعنا الماضي بشيء إن لم نسبق أهل العصر إلى العلوم والفنون.

هذه كلمة أعرف أنها قاسية، ولكني أرجو حضرة المخلص، مدير جريدة الأمة أن ينشرها كاملة:

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

وقد علقت جريدة الأمة على هذا المقال بما يأتي: «نشرنا هذه الكلمة ونحن نعلم أنها حادة حارة، ونعرف أنها ستغضب وترضي، ولم ننشرها فقط لرجاء الأستاذ كاتبها؛ فإن علينا فرضا أن نصدع بالحقيقة كيفما كانت ومهما أصابت. نعم، نشرنا هذه الكلمة؛ لأننا نتألم لما يتألم له كاتبها الأديب من قعود رأيناه ولم نزل نراه في سادتنا علماء الأزهر حماة الدين، سادتنا المسئولين عند الله قبل كل إنسان عن هذا الدين وما يصيبه من أعدائه - وهم عن ذلك غافلون أو مستيقظون ومعرضون.

ولسنا نعلم أي خير فيما يتوفر عليه العلماء من أساليب العمل في معاهدهم العظيمة؟ فعندهم كتب الفلسفة البائدة مشحونة بالجدل في الدين، لا نعلم ما قيمتها عندهم وما قيمة الاشتغال بها، وهي تتضمن شبهات وردت على الدين في أزمنة قديمة، وردها أهل الدين في تلك الأزمنة؟ أليس الاشتغال بها إضاعة للوقت في غير جدوى، بينما يسمعون ما أحدثه هذا العصر من شبهات أشد من تلك وأقوى؟

البدائع · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٢٧