وقد قيل: إن هذه الآنسة «عدلت بعض هذه الشروط؟» ثم وفقت أخيرا إلى اختيار زوج عمره عشرون سنة، ولكنه أعمى، فلا خوف عليه من الجلوس أمام النوافذ! أما أمر مرافقتها فذلك واقع بطبيعة الحال؛ لأن زوجها في حاجة إلى من يقوده، أما اشتراط حضوره ست مرات إلى البيت فقد أسرف الزوج في تحقيقه؛ لأنه أعمى يلازم البيت، وكذلك يأكل معها في الصحن الذي تريده، وقد حرمه عماه من مقابلة السيدات والأوانس.
وهكذا تنال العدالة الإلهية من غطرسة النساء. ولو أن المرأة عنيت بتقويم نفسها قبل أن تعنى باختيار شريكها في الحياة، لشغلت «بنت الثمانين» عن شروطها التسعة، ولرزقها الله رجلا يفي بالعهد وهو طائع، ولكنها بغت واستطالت فكان ما نقلناه من حديث تلك العجوز الشمطاء.
إن الضعف وحده سلاح المرأة، فلا يحسب السيدات أن القوة تدنيهن من السعادة؛ لأن في عناد الرجل صرفا له عن المرأة العنيدة، وهو إن لم يمنحها غضبه، فلن يمنحها رضاه، فما هذه الجلبة؟ وما ذلك الصياح؟ وكيف تسمو المرأة إلى مشاركة الرجل في الحياة الاجتماعية وهي في حاجة إلى قلبه؟ ولن يمنح الرجل قلبه للمرأة إلا وهي مطواع ذلول، لقد كانت المرأة ضعيفة فما منع ذلك الرجل من أن يخضع لها وهو قوي، ولكنها إن قويت فسيعرف كيف يفل الحديد بالحديد.
التهمة بالهوى
عجبت لهم أنى رموني بحبها
ولا مهجتي رهن لديها ولا قلبي
فيا رب صدق في هواها عواذلي
فإن عناء أن ألام بلا ذنب
وإلا فلا تقطع علي ملامهم
فإن ملام المرء فاتحة الحب
| اخرجوا من عزلتكم وانظروا في أي عصر تعيشون
ألقى الأستاذ مصطفى عبد الرازق محاضرة في الجامعة المصرية عن رأي رينان في الإسلام ورد السيد جمال الدين الأفغاني عليه، وقد لاحظ المنصفون يومئذ أن الشيخ مصطفى عبد الرازق لم يوفق في سكوته عن دحض أقوال رينان، مع ظهور الكلفة عليها وبعدها عن مجرى التفكير المعقول. ولاحظوا كذلك أنه لم يتحفظ في نقل رد السيد جمال الدين بالرغم من المناقضة الظاهرة بين هذا الرد وبين ما كتبه هذا الفيلسوف عن الإسلام في مواطن كثيرة كان فيها من المخلصين، وقد استهدف الشيخ مصطفى عبد الرازق لمثل قول الشاعر:
مقالة السوء إلى أهلها
أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمه
ذموه بالحق وبالباطل
وكذلك اندفع الناس يظنون في هذا المحاضر الظنون، ثم أعلن فضيلة الشيخ بخيت أنه سيرد على رينان في الجامعة المصرية، فكان يوما مشهودا ضاقت فيه صالات الجامعة عن الحاضرين، فحاضرهم الأستاذ في صحن الجامعة، وهم وقوف.
وقد ظلت هذه الحركة محور الأحاديث في مصر أياما كثيرة، وفهم الناس منها أن علماء الأزهر أحياء، وأنهم يغارون على الدين الحنيف، غير أنا قرأنا أخيرا كلمة في المقطم لمخلوق غريب ذيل توقيعه بكلمة «من علماء الأزهر الشريف»، وتنحصر هذه الكلمة في نقطتين: الأولى الرد على الشيخ بخيت في ذكره أن رينان غير فيلسوف، والثانية الثناء على الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ لأنه من آل عبد الرازق الذين أصيبوا في هذا العام مصيبة حزن لها المصريون أجمعون.
وأنا لا أنكر أن المصريين حزنوا لوفاة المرحوم حسن باشا عبد الرازق، ولكني أنكر هذه الطفولة وهذه الحطة في نفس إنسان ينتسب إلى العلماء، ويهوي بنفسه إلى الحضيض فلا يفرق بين السواد والبياض، في موقف لا يضل فيه غير عمي القلوب.
وإني لأنزه قلمي عن ذكر هذا الإنسان الذي ضاقت عليه الدنيا بما رحبت حين رأى الشيخ بخيت ينكر أن رينان فيلسوف ، في حين أن هذا المخلوق لا يفقه اللغة العربية فضلا عن لغة رينان، وإنما هو دعي غفل عنه الدهر فيمن غفل عنهم، ممن دنسوا الأزهر حين ضموا إلى قائمة العلماء.
أحسن علماء الأزهر هذه المرة؛ لأنهم انتقلوا إلى الجامعة المصرية فواجهوا ما يقال عن الدين هناك، وقد كانوا من قبل يكتفون بنقد ما يجري من هذا القبيل في مجالسهم الخصوصية، وكنت أود لو عني الشيخ الدجوي فألقى محاضرة في الجامعة المصرية في الرد على رينان؛ لأنه فضلا عن علمه يمتاز بحسن الأداء، فقد تأفف الناس جميعا من إلقاء الشيخ بخيت لمحاضرته، ولولا أن الشيخ عبد الوهاب النجار ألقى الجزء الأخير منها لحصبه الناس.