تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلفوا أيضا في سبب التحديد، وهو مائة مدفع ومدفع؛ فمنهم من قال: إن الغرض مائة مدفع فقط، والمدفع الزائد للتأكيد، ومثال ذلك قول العامة في كفارة اليمين «ثلاثة أيام وثلث»، وقال بعض اللغويين: إن العدد لا مفهوم له، والمراد التكثير؛ كما قال جرير وهو يعد أبناءه:

كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية

لولا رجاؤك قد قتلت أولادي

وقال بعض العدليين القدماء: إن الغرض من زيادة المدفع هو التيقن من أنها مائة لا شك فيها؛ ليكون استقلالا لا شك فيه، وقال عفريت من الجن: إن المائة مدفع الأساسية هي بشرى الاستقلال، والمدفع الزائد بشرى النصف الزائد، والغرض هو التأمين على قول أنصار مشروع ملنرانه «استقلال ونصف»، والله أعلم بحقيقة المراد.

بقيت كلمة واحدة نقدمها إلى رئيس الوزراء:

ألا يعلم صاحب الدولة أن تصريحات الإنجليز الرسمية كفيلة بمحو ما تترك المدافع في آذاننا ورءوسنا من الوقر والتصديع؟ فإن لم يكن ذلك، أفلا يكون بقاء الاحتلال دليلا على أن المدافع ليس لها من الأثر إلا أنها أصداء، تتراجع في الهواء أو ضوضاء تدوي في الفضاء؟

أيام الشباب

ولم أر كالفحشاء يخزى بها الفتى

ويثلم منها عرضه فيهون

وما كان زين النفس إلا عفافها

ولكن لأيام الشباب شئون

| بلاغة طالب

بين يدي الآن ورقة صغيرة بالية، سأمزقها بعد لحظة، ولو تركتها بلا تمزيق لما ضمنت لها البقاء؛ لأنها من طالب يائس، أفاض عليها من روحه الضعف والذبول.

سقط ذلك الطالب في امتحان البكالوريا فخر صريع اليأس والقنوط ثم كتب في تلك الورقة هذه الكلمة:

يا.

كفنت قلبي بالبكالوريا، ودفنتهما في قبر الخيبة: ولن يعيش جسد بغير قلب. (...)

هكذا يكتب الطلبة، وهكذا يفكرون، ولا ندري من المسئول عن ضعف هذه النفوس؟! فقد أعددناها لتربية الأمة، فإذا هي لا تصلح لغير الرثاء.

قد لا يلام الطلبة؛ لأنهم لم يجدوا حولهم غير التكالب على الوظائف، ولا سبيل إلى السبق في هذا الميدان غير نيل الشهادات الثانوية والعالية، فمن الحق عليهم إن سقطوا في الامتحان أن يعملوا بقول الشاعر:

والأسى واجب على الحر إما

نية حرة وإما رياء

وكذلك نرى «الساقطين» ما بين منتحر أو مريض.

إنما اللوم كله على علماء الأدب والأخلاق؛ فقد كان في مقدورهم أن ينشئوا الرسائل، وينظموا القصائد، ويؤلفوا الكتب، يضربون فيها الأمثال لليائسين والقانطين، وكان في مستطاع أية جمعية أدبية أن تطبع كتاب سر النجاح وتذيعه بين الناس إن عز التأليف والتعريب، وكان الواجب على الجرائد اليومية أن تقتضب الأخبار السياسية الطويلة العريضة التي لو حكم فيها العقل لعرفنا أن تسعة أعشارها كذب واختلاق، ثم تفسح المجال للكتابة في تقويم هذه النفوس الناشئة، التي نخشى إن غلبت عليها هذه النزعات الخطرة أن تصبح بعد قليل خزيا لهذه البلاد.

| كلمة

من مقدمة ذكرى فريد بك

هذه صحائف بيض، نكتبها لمن كان له قلب؛ ليعرف أن عظماء الشرق خير من عظماء الغرب، وأن ابن النيل في بأسائه أشرف من ابن التاميز في نعمائه.

وليعلم الذين في قلوبهم مرض، أن مصر التي كانت عروس الممالك لا تزال تنبت عرائس النفوس، وكرائم العقول، وأنها إن حرمت الحول والطول فقد منحت الفضل والنبل، وأنها خليقة بأن تقتلع الظلم من أصوله، والجور من جذوره، كما يقتلع الماء وهو صاف شفاف، ما يعترضه من لفائف الأعشاب، وقذائف الأوشاب، وأن تمحو آية الذل، كما يمحو الصبح آية الليل، وأن تنسخ الاحتلال، كما تنسخ الشمس الظلال.

ومن يك مثلنا حسبا ومجدا

تشجعه الصواعق والرعود

فإن يك سرهم منعى فريد

فكل غضنفر منا فريد

| علماء الأزهر الشريف

تألفت جمعية من العلماء العاطلين للبحث عن موئل يفزع إليه خريجو الأزهر الشريف؟

والظاهر أن فريقا من هؤلاء لا يزال يحسب أن من الفرض على الأمة أن تمون أهل العلم وتجري عليهم الأرزاق، وهي خرافة قديمة وضع أصولها الملوك الجبابرة الذين رأوا من حسن السياسة أن يشتروا ضمائر العلماء بالهدايا والمال؟ وقد نجحت هذه السياسة وعاش العلماء زمنا غير قليل يدعون إلى الزهد والخمول، وما ظنك بقوم لم تضطرهم مطالب الحياة إلى ولوج أبواب الكسب والارتزاق، بل وجدوا كل ما يشتهون حاضرا عتيدا كطعام الجنة التي وعد بها المتقون.

البدائع · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٢٤