عهد السياسة كاذب
لله درك يا سجاح
وقد قال «تاسو» الشاعر الإيطالي المعروف: إن المرأة تفر، وتود أن تلحق وهي فارة، وتأبى وتود في إبائها أن تسرق، وتناضل وترغب أن يظفر بها في النضال! فقول الآنسة حياة: «لست ممن تغلب الحب على قلوبهم» معناه أن الحب صيرها باكية العين، دامية الفؤاد! وقولها: «الحب عدو لدود للإنسان، فيجب أن يبعد عن القلوب» معناه: الحب مادة الحياة، فيجب أن تزود به القلوب، وقولها: «تباعدوا عن الحب » معناه: أقبلوا على الحب بسمعكم، وبصركم، وقلبكم، أيها الشباب!
هذا يا صديقي ما تريده الآنسة حياة فهمي، فهي حين تقول: «لعن الله الحب» إنما تريد «حيا الله الحب».
ولا يفوتني قبل ختام هذه الكلمة أن أوجه للآنسة حياة هذا السؤال: إنك تأمريننا بأن لا نحب «سمعا وطاعة!» ولو أني سمعت هذه النصحية قبل خمسة عشر عاما لنجوت من الحب، ولاسترحت الآن من تسطير مدامع العشاق، ولكني يا مولاتي - لسوء الحظ - قد أحببت، وقد ضربت بمحبتي الأمثال، وأريد أن أسلم من الحب على يدك الطاهرة، جعل الله في يمناك الشفاء، من كل داء، فهل لك أن تصفي لي طريق الخلاص من هذا الضلال القديم، ومن أسماء الحب الضلال؟
أنا في انتظار الجواب!
ملحوظة:
أرجو أن تحترس الآنسة حياة، وهي تكتب أنواع العقاقير من أن تنهاني عن التطلع إلى العيون، والخدود، والثغور والنحور والنهود؛ فإنه لا سبيل إلى مثل هذا المتاب! وإنما أريد أن أسلو وأنا أعبث بأفنان الجمال، كما يرد الشارب الكأس وهي تتوهج بين أنامل الساقي الجميل!
3
رغب الأديب الكبير النابه والكاتب الفنان اللبق الأستاذ زكي مبارك في كلمته إلى الكاتبة الأديبة الآنسة «حياة» أن تصف له دواء للسلوى عن الحب، فقد اعتزم الإبلال منه فيما يقول، بعد أن مست فيه العيون، وتوزعت لبه الغيد، بيد أنه اشترط عليها فيما استوصفها إياه من الوصفات والعقاقير، ألا تحميه بواعث الشوق ولا تحجر عليه أسباب الهوى ودواعي الشجن، فقال: «أرجو أن تحترس الآنسة حياة، وهي تكتب أنواع العقاقير من أن تنهاني عن التطلع إلى العيون، والخدود، والثغور، والنحور، والنهود؛ فإنه لا سبيل إلى مثل هذا المتاب، وإنما أريد أن أسلو وأنا أعبث بأفنان الجمال، كما يرد الشارب الكأس وهي تتوهج بين أنامل الساقي الجميل.»
فكان كمن يتقي الداء بالداء، ويستكف النار بالحلفاء، وأكبر الظن أن تلك الوصفات وهذه العقاقير لا تصاب في «صيدلية» آنسة خفرة حيية مثل الآنسة حياة.
من أجل ذلك نتشهى على صديقنا النبيل أن يتقبل منا أن نستطب لدائه عنها، ونصف له الدواء نحن لا هي، أجل إنه لعزيز علينا أن يرمى ذلك الجفن الغضيض بالإطراق، ويندى ذلك الجبين الوضاح بالخفر، ويضرج ذلك الخد بالحياء، فليأذن لي في أن أنشده قولي:
تناهب لبك سود العيون
وقسمت في كل نهد ونحر
دواؤك عند مراض اللحاظ
ولا يبطل السحر إلا بسحر
ذلك دواؤك الذي يطيب لك ويقر بعينك تناوله، ولا ندعو لك الله بالشفاء، من ذلك الداء، وإن أبيت إلا جفوة للحب، وعربدة على من تحب فطالما سمعناك تنشد مثل قول الشاعر:
أعز الله أنصار العيون
وخلد ملك هاتيك الجفون
ودام لها على ضعفي اقتدار
وإن هي أفسدت عقلي وديني
وبعد، فهنيئا لك تلك السلوى، وندعو الله لصاحبتك سالبة لبك، بل ندعو عليك - لا لك - بمثل ما قلته أنا لشبيهتها آنفا من كلمة:
لا شفى الله منك جفنا مريضا
وشفى من جراح جفنيك مرضي
آمين آمين، والسلام عليك.
حسن القاياتي
| إطلاق المدافع؟!
اختلف كثير من الناس في فهم ما ذاع من عزم الوزارة المصرية على إطلاق مائة مدفع ومدفع يوم توافق إنجلترا على الاستقلال، قال قائل منهم: لقد فطنت الحكومة إلى أن الفطرة السليمة تأبى على المصريين تصديق ما يزعم المعتدلون من نيل الحرية من طريق المفاوضة والاتفاق، فهي تطلق المدافع «في وجه العدو» ولو في الهواء! وهنا لا يشك الناس في مشروعية الاستقلال. وقال آخر: إن الحكومة لا تجهل أن هذا لا يقنع المعارضين، ولا يهدي الضالين، ولكنها تريد أن تطلق المدافع في الهواء مجاراة لقول العامة «هف طلع النهار» وكان ما كان «يا سادة» يا كرام، وروي عن بعض المعارضين أنه قال: لقد كانت الحكومة - فيما مضى - تدافع عن سياستها بالبلاغ بعد البلاغ، فرأت الأمة لا تعجز عن مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فصح رأيها أخيرا على أن تدافع عن سياستها بالمدافع. والذي يراه كاتب هذه السطور - بكل أدب وإجلال - أن الغرض من إطلاق المدافع ربما كان وقر الآذان، وتصديع الرءوس؛ حتى لا يدرك الناس حقيقة ذلك اليوم المشهود ، ويؤيد هذا الرأي ما أشيع من أن دويها سيكون أشد ما رواه التاريخ.