لا يدهشك ذلك يا آنسة منيرة فتلك بلاد يبغض أهلها الفضول، ولا يتعلم أبناؤهم وبناتهم غير النافع المفيد، ولقد بلغ الجد بالأوانس في فرنسا أن حلت الفتاة محل الفتى في الوظائف الكتابية الصغيرة، وتبدل الإعلان المعروف من «مطلوب كاتب صغير لمحل تجاري أو مكتب محام» إلى «تطلب فتاة تكتب على الآلة الكاتبة ... إلخ.»
وتقول تلك الجريدة: «وهناك في مكاتب المهندسين أيضا ترى بعض الآنسات يرسمن تصميمات لمبان كبيرة»، فبكل أدب وإجلال أطالب الآنسة منيرة بأن تتناسى آمالها البرلمانية، ثم تقبل بنشاطها على تكوين هيئة من أترابها المهذبات، ثم تعمل هذه الهيئة لنشر المعارف الضرورية بين السيدات والأوانس حتى إذا نهلت المرأة من موارد العلم، وأحست بظهور أثرها في الحياة المصرية؛ فكرت حينئذ في أن تسابق الرجال إلى مقاعد البرلمان. فهل تتقبل مولاتي هذا الاقتراح من كاتب يرجو أن تسمو المرأة بخواصها الذاتية لا بالتكبير والتهليل؟
| مرض النوم!
ذكرت جريدة الجورنال الفرنسوية أن فتاة أصيبت بهذا المرض في إحدى القرى الإنجليزية، وأنها لبثت نائمة ستة أسابيع ثم استيقظت فجأة وظلت في يقظتها 13 ساعة، ثم استأنفت النوم، وأنها لا تزال منذ سنة على هذه الحال!
والذي نلاحظه أن المسمى واحد، والأسماء كثيرة، وكان خيرا لو وصف بمرض النوم كل من يقضي «ستة أسابيع» لا يقول فيها كلمة طيبة، ولا يؤيد فكرة صالحة، ولا يحارب بدعة سيئة، فليس لليقظة قيمة إلا بقدر ما فيها من صالح الأعمال.
وليس الذين يفتحون أعينهم وآذانهم ليروا ما لا تحل لهم رؤيته ويسمعوا ما لا يجوز لهم سماعه، بأهل يقظة، ولكنهم غارقون في بحار الغفلة، وهائمون في بيداء الضلالة، تحسبهم أيقاظا وهم رقود.
ومن يدرينا لعل تلك الفتاة تنتفع بساعاتها المعدودة أكثر مما ينتفع بعض الناس بعمره الطويل، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون.
| حديث الحب
1
كتبت الآنسة الأديبة حياة فهمي كلمة عنوانها «لعن الله الحب»، وقد أنعت فيها على الحب والمحبين، قالت في أثنائها عن نفسها: «لست ممن تغلب الحب على قلوبهم.»
ثم قالت: «الحب عدو لدود للإنسان، فيجب أن يبعد عن القلوب، ويجب أن تعيش القلوب في جو غير جو الحب ... تباعدوا عن الحب.»
وقد رأيت أن أجيبها عن كلمتها تلك بهذه الكلمة الصغيرة: قلت:
تلوم حياة على العاشقين
رويدا ورفقا بنا يا حياتي
جهلت الغرام فلمت المحب
هنيئا لعينيك في الناعسات
أليس كذلك أيها الأستاذ زكي مبارك؟ إليك يساق الحديث والسلام.
2
شاعر السكرية
في مصر شاعر كبير وافر الأدب، كثير الحياء، يحدثك وكأنه يستفيد منك، فيملي عليك ما يبهرك من آياته البينات، وما زلت أذكر كلمة صديقي الأستاذ الشيخ سليمان نوار وقد حادث هذا الشاعر الجليل منذ ثمان سنين؛ إذ قال لي بعد هذه المحادثة: إنك لا تدري أتعده من الشعراء، أم تعده من علماء الأدب؟ فذكرت - إذ ذاك - قول القدماء في الأصمعي: إنه أعلم الشعراء، وأشعر العلماء. ولهذا الشاعر طابع خاص في النسيب، يكاد يتمثل في قوله:
أحس في القلب وقدا
يا رب لا كان حبا
وقد اخترت هذا البيت لقربه من كلمته في حوار الآنسة حياة فهمي:
تلوم حياة على العاشقين
رويدا ورفقا بنا يا حياتي
جهلت الغرام فلمت المحب
هنيئا لعينيك في الناعسات
ولهذا الشاعر المقيم «بالسكرية» فضل الإشادة بكاتب هذه السطور؛ فقد دعاني إلى حساب الآنسة حياة، وهو يعلم كيف عجزت عن حساب الآنسة منيرة، وإني بهذا العجز لمختال فخور.
يرى سيدي الشاعر أن الآنسة حياة جهلت الحب فلامت المحبين، ولو قال غير ذلك لأصاب شاكلة الصواب؛ لأن المرأة كالسياسي سواء بسواء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون، فإذا قال السياسي: «لا»، فاعلم أنه يريد «نعم»، وإذا قال: «نعم»، فاعلم أنه يريد «لا»، وإذا قالت المرأة: «لا أحب»، فاعلم أنها «تحب»، وإذا زعمت أنها «كارهة»، فاعلم أنها «راضية». فإن كنت في ريب من ذلك يا صديقي الأديب فإني أذكرك بقولك من قصيدة نشرتها لك في جريدة الأفكار سنة 1919: