ولم يقف الأمر عند شرح الإحياء، واختصاره، وتخريج أحاديثه، بل وضعت الأبحاث المفردة، لشرح كلمة وردت في الإحياء، وهي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» وممن شرح هذه الكلمة: عبد الوهاب الشعراني، وعبد الكريم الجبلي، ومحمد المغربي شيخ الجلال السيوطي، وأحمد بن مبارك السجلماسي، وأبو بكر بن عربي. ووضع ناصر الدين بن المنير الإسكندري رسالة في هذه المسألة سماها: «الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي» وفي مناقضة هذه الرسالة ألف السيد السمهودي رسالة تقع في سبعة كراريس كما قال الزبيدي. وألف البرهان البقاعي رسالة في هذه المسماة سماها «تهديم الأركان» وألف الجلال السيوطي رسالة ناقض بها البقاعي سماها «تشييد الأركان». (7) الانتفاع بمؤلفات الغزالي
ولقد تتبعت العصور التي تلت عصر الغزالي فوجدت الانتفاع بمؤلفاته ظاهرا كل الظهور في حياة علماء الدين والتصوف والأخلاق. ولقد رأيت من بينهم من هم يحفظ كتاب الإحياء عن ظهر قلب. ورأيت منهم من كان يتقرب إلى الله بنسخ هذا الكتاب. وتجد في ص69 ج3 من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» مظهرا لأثر الغزالي في ذلك العصر، إذ تجد من العلماء من يتخذ وردا من الإحياء كما يتخذ وردا من القرآن ولولا خوف الإطالة لضربت للقارئ عشرات الأمثال.
وفي العصر الحاضر يدرس كتاب الإحياء في الأزهر والمعاهد الدينية، وكان الأستاذ الشيخ محمد عبده قرر أن يدرس معه كتاب ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، ولكن رأى العلماء فيه آراء فلسفية، فقرروا لذلك حذفه، لئلا يفسد الطلاب.
والأستاذ الشيخ يوسف الدجوي ينصح لتلامذته دائما بالانتفاع بكتاب الإحياء. وكنت ممن أوصاهم بذلك، ولكن الله لم يشأ أن أكون كما أراد الأستاذ، فقد رأيت كيف صورت الغزالي بصورة الذي قد يخطئ وقد يصيب، وهذا من مثلي كثير!
وأثر الغزالي ظاهر في مؤلفات الشيخ الدجوي، وهو أيضا سبب ضعف تلك المؤلفات: فإن كتاب «سبيل السعادة» الذي وضعه الأستاذ منذ بضع سنين يشبه أن يكون خلاصة مشوهة للآراء الحديثة في فهم أصول الأخلاق، وفضيلة الشيخ معذور لأنه لا يعرف لغة أجنبية، ولأنه يبغض المدنية الحديثة من أعماق صدره، ويستبعد الاهتداء بآراء الفلاسفة المحدثين!
ويمكن الحكم بأن دراسة كتاب الإحياء في الأزهر مجردا من آراء المفكرين في نقده، وتمييز غثه من سمينه، كانت السبب في إفساد العقلية الأزهرية، وجعلها غير صالحة لأن تسمو بأصحابها إلى الطمع في أن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
والأمل كبير في أن يصل هذا الصوت إلى من بيدهم الأمر في الأزهر والمعاهد الدينية: فيغيروا ذلك المنهج القديم في دراسة الأخلاق، فإن في الأزهر ولواحقه نحو عشرين ألفا من الطلبة تميتهم تلك المذاهب البالية، التي يعولون عليها في فهم نزعات النفوس، وخلجات القلوب. وسبحان من لو شاء لهدانا وإياهم سواء السبيل! (8) عناية الأجانب بالغزالي
ومما يتصل بتأثير الغزالي في الحياة العلمية عناية الأجانب به: فقد كتبت عنه عدة مؤلفات بالفرنسية، والإنكليزية، والألمانية. ومنهم من يتعصب له فوق ما يفعل المسلمون. ويعده الدكتور زويمر واحدا من أربعة ويقول: «كل باحث في تاريخ الإسلام يلتقي بأربعة من أولئك الفطاحل العظماء. وهم محمد نبي المسلمين نفسه، والبخاري، والأشعري، والغزالي».
والدكتور زويمر من المستشرقين الإنكليز الذين درسوا العقلية الشرقية، وكتابه عن الغزالي من الكتب القيمة، وتجد فيه من مظهر العناية بالغزالي ما كتبه عن قبره، نقلا عن خطاب وصله من القس دونالدسن في 17 يناير سنة 1917، وقد زار قبر الغزالي ووجد في إحدى زوايا الحجر كلمة (غزالي) و(بوحا) وأصلها بالطبع أبو حامد. وهذا هو الرسم الذي أرسله قس دونالدسن إلى الدكتور زويمر عن قبر الغزالي.