ومن أجود ما كتب بالفرنسية عن الغزالي كتاب
Cara de Vaux
والمسيو «كارادي فو» هذا رجل خبير بالحياة الإسلامية، وله كتاب عن ابن سينا أحب أن يطلع عليه من يود أن يعرف شيئا عن المدارس الفلسفية عند المسلمين، وإني لآسف حين أقرر أن المستشرقين يفهمون مذاهب أهل السنة والمعتزلة أكثر من علماء الأزهر الذين إذا عرض لهم ذكر المعتزلة لم يزيدوا على أن يقولوا (قبحهم الله) وقد أخبرني حضرة الأستاذ الدكتور طه حسين أن المسيو كازانوفا وضع كتابا عن الغزالي، وإني لملوم في أن غفلت عن هذا الكتاب، فإن الطريقة التي جرى عليها المسيو كازانوفا في كتابه «محمد ونهاية العالم» طريقة تغري الباحث بتعقب ما يكتب هذا الرجل الدقيق. وآسف أيضا على أن الظروف لا تسمح بأن أترجم شيئا من آراء هذا الرجل، لأن البحث العلمي عنده فوق كل مقام. وإنما أدعو من يحب الاطلاع إلى مراجعة
Mohamed et la fin du monde
فإن فيه من المباحث ما يواتي شهوات العقول، وللعقول شهوات!
وهناك كتاب للمسيو
Moher
موضوعه:
Etudes sur la philosophie d’Averroes concernant son rapport avec celle d’Avicenne et Gazali .
ويحسن الرجوع إلى المقدمة التي وضعها المسيو
Lucien Gautier
حين نقل «الدرة الفاخرة» إلى الفرنسوية
Traite d’eschatologie musulmane
ويحسن الاطلاع على الجزء التاسع من المجموعة السابعة من
Journal asiatique
وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى
Encylcopedie de l’Islam 20 Livers
إذا أراد أن يعرف ما كتب عن الغزالي باللغة الفرنسية والإنكليزية والألمانية. وقد أخبرني حضرة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أنه علم أن في اللغة التركية عدة مؤلفات عن الغزالي. وأحسب أن السبيل إليها ممهد لمن شاء.
وأحب أن يغنيني القارئ عن تفصيل ما أعرف عن نظر المستشرقين إلى الغزالي ومذاهبه الصوفية، فإني مضطر إلى الاكتفاء بإرشاده إلى طريق الاطلاع.
الفوز للحياة
وبالرغم من تأثير الغزالي في الشرق والغرب، وتغلغله في أعماق الحياة العلمية، فإن الفوز فيما يظهر لن يكون لآرائه في الأخلاق. ولكن سيكون الفوز للحياة.
إلا أن الأخلاق كالشرائع، فكما تنهزم الشريعة أمام الحياة، كما انهزمت المسيحية لخروجها على ما للحياة من قوانين، كذلك تنهزم الأخلاق أمام الحياة، حين تخلو عما في الحياة من عناصر وأصول.
وهكذا انهزم الغزالي حين نازل الحياة!
حرم النقش والتصوير، ولكن النزعات البشرية مشت في طريقها بقوة. ولم تصدف عن النقوش والتصاوير!
وحرم الغناء. ولكن مشت الأذواق في سبيلها بقوة، ولم تزل ظامئة إلى الأنغام والألحان!
وليته حين حرم النقش والتصوير والغناء، وضع لذلك عللا معقولة! ولكنه حرم التصوير لأنه يدعو إلى الوثنية، وهذا كذب على الواقع، فطالما أحببنا تهاويل الصور، ولم نفكر في الوثنية. وحرم الغناء لأنه يدعو إلى شرب الخمر. وهذا ظن مردود، فطالما سمعنا عبد اللطيف أفندي البنا وإبراهيم أفندي القباني والشيخ عبد السميع عيسى، ولم نفكر في الخمر، ولا في مجالس الخمر!
ليست الأخلاق شيئا آخر غير مناهج الحياة. والأخلاق التي تبنى بها الأمم ليست ما يعرفه الغزالي من التواضع، والتوكل، والخمول، وإنما هي فهم قوانين الحياة وأحب أن أكرر كلمة الحياة؛ لأنها عندي غاية الأخلاق.
والفضائل السلبية كالصبر، والزهد، والقناعة، لن تكون فضائل حتى تقضي الظروف باعتبارها أسلحة ماضية في سبيل الحياة. فقد يكون الخمول من أسباب النباهة وذيوع الشهرة، كما يكون الصيت أحيانا من أسباب الخمول.
ولا قيمة للحياة بغير القوة، فيجب أن تكون الأخلاق بابا إلى الحياة القوية. وطالما شككت في قوله عليه السلام: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين»!
الباب الثاني عشر
| في أنصار الغزالي وخصومه