ويمكن الحكم بأن الخصومة التي كانت بين أنصار الغزالي وبين خصومه كانت خصومة بين الشريعة والتصوف، فإن أنصار الغزالي جميعا صوفية، أو شبه صوفية، وخصومه جميعا من علماء الشريعة، وأبعدهم غورا في النيل منه هم المتصدرون للفتيا والقضاء.
فبينا نجد ابن القيم يرميه (بالتخليط والهذيان) نجد أبا الحسن الشاذلي يذكر أنه رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
في منامه وقد باهى موسى وعيسى بالغزالي. وقال: أفي أمتيكما حبر كهذا؟ فقالا: لا! ونجد أبا العباس المرسي يشهد له بالصديقية العظمى! وليت شعري ما هيه؟
والفرق كبير بين من يرميه بالتخليط والهذيان وبين من يحلم بأن لا نظير له في أمة موسى وعيسى عليهما السلام.
وقد قدمت لك شيئا من المنامات المتعلقة به، وبينت ما لها من أسباب، وأزيد الآن أن كل هذه المنامات مسببة عن «الإحياء» فهي تارة تقع لناقدي ذاك الكتاب، وتارة تقع للمنتفعين به من علماء الإسلام.
والذين أحرقوا «الإحياء» لم يحرقوه لأنه كتاب هين، والذين ألفوا الكتب في نقده، لم يفعلوا ذلك لأنه كتاب هين، وإنما نقده هؤلاء، وأحرقه أولئك، لأنه فيما يرونه كتاب خطر، وليكن خطرا على الإسلام والمسلمين، وليكن كتاب شر وفتنة، وليكن كتلة زندقة وإلحاد، فهو على كل حال كتاب رهيب خشيه أولئك الناس، وهذا ما يعنينا الآن.
وأشهر من نقد «الإحياء» الإمام أبو عبد الله المأزري المالكي المتوفى سنة 536ه وقد ناقشه السبكي في طبقاته، فليرجع إليه من شاء، ويتلخص نقد المأزري في أن الغزالي غير ثقة فيما تعرض له من الفنون، وأن كتابه «متردد بين مذاهب الموحدين والفلاسفة وأصحاب الإشارات» ويتلخص رد السبكي في رمي المأزري بالحسد والكيد للصوفية في شخص الغزالي، وممن نقده أبو الوليد الطرشوشي وتجد جملة من نقده في الجزء الأول من شرح «الإحياء» للزبيدي. فأما الذين كتبوا في فضل الإحياء فهم كثير: منهم الشيخ عبد القادر العيدروس، وضع كتابا سماه: «تعريف الأحياء، بفضل الإحياء» وفي أيدي الناس كتاب لبعض الفضلاء اسمه: «بغية القاصدين لفضائل إحياء علوم الدين».
وأطال السبكي في مدحه حتى نقل عن بعض المحققين أنه قال: «لو لم يكن للناس في الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر غيره لكفى.» ثم قال: «وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها وإشاعتها ليهتدي بها كثير من الخلق، وقلما ينظر فيه ناظر إلا ويتعظ به في الحال».
ويدل على مبلغ تأثير «الإحياء» عناية العلماء به، فإنا نجد الحافظ العراقي يخرج أحاديثه في كتابين: أحدهما كبير الحجم في مجلدين، وهو الذي صنفه في سنة 751ه ثم اختصره في مجلد وسماه «المغني عن حمل الأسفار». ثم أتى تلميذه شهاب الدين بن حجر العسقلاني فاستدرك عليه ما فاته في مجلد. وصنف الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي كتابا سماه: «تحفة الأحياء فيما فات من تخريج أحاديث الإحياء» وقد سبقت كلمتنا فيما نقل السبكي من الأحاديث الموضوعة.
وممن اختصر «الإحياء» أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي المتوفى بقزوين سنة 520ه وسماه «لباب الإحياء» وأحمد هذا هو أخو الغزالي. ثم اختصره أحمد بن موسى الموصلي المتوفى سنة 622ه. ثم محمد بن سعيد اليمني، ويحيى بن أبي الخير اليمني، ومحمد بن عمر بن عثمان البلخي وسماه «عين العلم وزين الحلم» (انظر نمرة 109 من فهرست دار الكتب المصرية). واختصره عبد الوهاب بن علي الخطيب المراغي وسماه «لباب الإحياء» واختصره الشمس محمد بن علي بن جعفر العجلوني المشهور بالبلالي شيخ خانقاه سعيد السعداء بمصر المتوفى سنة 820ه.
واختصره ابن الجوزي في كتابه سماه: «منهاج القاصدين» ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية نمرة 167.
وللإحياء شرح مطول يقع في عشر مجلدات، وفيما شاء الله من الصفحات، ألفه الزبيدي، وقد اعتمدت على هذا الشرح في تحقيق كثير من مواطن الخلاف.