تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانيا:

أن يكون المنكر موجودا في الحال، فلا حسبة على من فرغ من شرب الخمر، ولا على من يعلم من قرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته.

ثالثا:

أن يكون المنكر ظاهرا، فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه، وقد أمرنا أن نستر ما ستر الله، وننكر على من أبدى لنا صفحته.

رابعا:

أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه، وهذا الشرط الأخير يدل على قدر الغزالي لحرية الرأي والتفكير، وما أحوج المصلحين إلى تأمله والعمل بمقتضاه!

صفات المرشد

ويجب أن يتصف المرشد بالعلم، والورع، وحسن الخلق.

أما العلم فليعلم مواقع الحسبة، وحدودها، ومجاريها، وموانعها، ليقتصر على حد الشرع. وأما الورع فليردعه عن مخالفة معلومة، فربما يعلم أنه مسرف في الحسبة، وزائد على الحد المأذون فيه شرعا، ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض، وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق، وهو أصل هذا الباب.

قال الغزالي: «فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات، وإن فقدت لم يندفع المنكر، بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها».

12

وقد نص على أن اشتراط الورع ليس معناه أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعا بالفسق، وإنما يسقط أثره من القلوب بظهوره للناس.

أنواع المنكرات

قسم الغزالي المنكرات إلى مكروهة ومحظورة، وبين أن منع المكروه مستحب، والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب ذكره له، لأن الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه من لا يعرفه، وأن منع المحظور واجب والسكوت عليه حرام.

ثم ذكر طائفة من المنكرات التي تجري في المساجد، والأسواق، والشوارع، والحمامات، والضيافة، وآراؤه في هذا الباب مسددة، ترجع إلى الحرص على سلامة الناس في دينهم ومعاشهم، وإصلاح ذات بينهم. فمنها دعوته إلى منع ما يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة، ودعوته إلى منع الملاك من تحميل الدواب ما لا تطيقه، وهو رفق بالحيوان. ودعوته إلى منع الإسراف في الطعام والبناء. والذي يتأمل ما سرده الغزالي في المنكرات يدرك مبلغ حرصه على غرس الرجولة والشرف في نفوس الأفراد والجماعات.

درجات الاحتساب

للاحتساب درجات ، وهي: (1)

التعريف. (2)

ثم النهي. (3)

ثم الوعظ. (4)

ثم النصح. (5)

ثم السب والتعنيف. (6)

ثم التغيير باليد. (7)

ثم التهديد بالضرب. (8)

ثم إيقاع الضرب وتحقيقه. (9)

ثم شهر السلاح. (10)

ثم الاستظهار بالأعوان وجمع الجنود.

وفي الدرجة الأخيرة يقول الغزالي: «وربما يستمر الفاسق أيضا بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام. فقال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك، لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد. وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن. وهو الأقيس. لأنه جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته قد تجر إلى ثوان وثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون. فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه.» ص336 ج3.

إرشاد الأمراء

ولا يجوز من درجات الاحتساب مع الأمراء والسلاطين - فيما يرى الغزالي - إلا الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ. أما المنع بالقهر فليس لآحاد الرعية مع السلطان، فإن ذلك يحرك الفتن ويهيج الشر، ويكون ما يتولد عنه من المحذور أكثر.

وأما التخشين في القول، كقوله: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه، فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه، فهو جائز، بل مندوب إليه، ومن قتل في هذا فهو شهيد.

الباب الحادي عشر

| في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٩٤