الحسبة والاحتساب في عرف المسلمين عبارة عن الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. لقوله تعالى:
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
10
والاحتساب واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية، إذا قام به واحد من المسلمين سقط عن الجميع، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. وإذا كانت القدرة شرطا للحسبة فقد أصبحت على ذوي السلطان أوجب، لأنهم أقدر من غيرهم. ومتى أقامت الحكومة محتسبا كان عليه أن يبحث عن المنكر الظاهر ليصل إلى إنكاره، والمعروف المتروك ليأمر بإقامته، وكان لكل مسلم الحق في أن يستعديه فيما يجب إنكاره.
ومن الفروق بين الحسبة والقضاء، أن المحتسب يجوز له أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه. وأنه يجوز للمحتسب أن يستعمل القوة فيما يتعلق بالمنكرات، وليس للقاضي غير فحص القضية بالأناة والوقار.
ويطول بنا القول لو أردنا سرد الفروق بين الحسبة، وأحكام القضاء، وأحكام المظالم في الحكومات الإسلامية، فلنكتف بهذا القدر، تمهيدا لرأي الغزالي في شروط الاحتساب.
شروط المحتسب
ولا يجب على امرئ فيما يرى الغزالي أن يأمر بخير، أو ينهى عن شر، إلا بالشروط الآتية:
أولا:
أن يكون مكلفا، فلا يجب على الصبي أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر بل يجوز له ذلك، وليس لأحد أن يمنعه.
ثانيا:
أن يكون مؤمنا. ومفهوم أن الغزالي لا يعترف للجاحد بشيء حتى يصلح للإرشاد.
ثالثا:
أن يكون عدلا. ويناقش الغزالي هذا الشرط، ويذكر أن الأنبياء قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا، والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية، وكذا جماعة من الأنبياء، فلو اشترطنا في الإرشاد أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي لأغلق هذا الباب.
رابعا:
أن يكون مأذونا من الإمام والوالي. وقد ناقش الغزالي هذا الشرط، ورأى أن تخصيص الاحتساب بإذن الوالي بعد إطلاقه في الأحاديث والآيات تحكم لا أصل له. وقرر أنه يجب على المرء زجر العاصي أينما رآه، وكيفما رآه.
خامسا:
أن يكون قادرا، فليس على العاجز حسبة إلا بقلبه. ولا يقف سقوط الوجوب عند العجز الحسي، بل يلتحق به ما يخاف منه مكروها يناله، فذلك في معنى العجز، وكذلك إذا لم يخف مكرها وعلم أن إنكاره لا ينفع، وقد اختلفت كلمة الغزالي في هذه النقطة ففي ص322 ج3 من الإحياء ينص على سقوط وجوب الحسبة حين يعلم أنها لا تفيد. وفي ص153 ج1 يقول: في النهي عن كشف العورة في الحمام «فأما قوله: اعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به فهذا لا يكون عذرا، بل لا بد من الذكر، فلا يخلو قلب امرئ عن التأثر من سماع الإنكار واستشعار الاحتراز عند التلبس بالمعاصي. وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه عنه فلا يجوز تركه».
وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن المكروه المتوقع ما حده الإنسان. فإن الإنسان قد يكره كلمة، وقد يكره ضربة، وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى. وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان، أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه، فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به؟
وأجاب الغزالي بأن الحسبة لا تسقط إلا بالمكروه الظاهر كمن يعلم أنه يضرب ضربا مؤلما يتأذى به، أو يعلم بأنه تنهب داره، ويخرب بيته، وتسلب ثيابه.
11
المنكر المنهي عنه
ولا ينهى عن شيء فيما يرى الغزالي إلا بالشروط الآتية:
أولا:
أن يكون منكرا، أي محذور الوقوع في الشرع. قال الغزالي: «وإنما عدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا، لأن المنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه، وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه. ثم قال: ولا تختص الحسبة بالكبائر، بل كشف العورة في الحمام، والخلوة بالأجنبية، واتباع النظر للنسوة الأجنبيات، كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنه».