| تمهيد
أثر الغزالي في عصره أثرا غير قليل: فشطر أهل العلم، والولاة، شطرين: أحدهما ينصره، والآخر يخذله، وما زال الفريقان يختصمان حتى طيرا شهرته في جميع الآفاق.
وقد رأى الغزالي في حياته من يقدسه، ويقدمه على جميع العلماء، ورأى في الوقت نفسه كتبه تحرق في بعض الأقطار الإسلامية، رميا لها بالدعوة الخفية إلى الكفر والإلحاد!
| في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور
(1) تجديده للقرن الخامس
وكان جمهور المسلمين فيما سلف يعتقد أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد أمر الدين، ولهم في هذه العقيدة كلام طويل، وفيها يقول جلال السيوطي في أرجوزته:
والشرط في ذلك أن تمضي المائة
وهو على حياته بين الفئة
يشار بالعلم إلى مقامه
وينصر السنة في كلامه
وأن يكون جامعا لكل فن
وأن يعم علمه أهل الزمن
وأن يكون في حديث قد روي
من أهل بيت المصطفى وقد قوي
وكونه فردا هو المشهور
قد نطق الحديث والجمهور
وهم يعتقدون أن مبعوث المائة الأولى عمر بن عبد العزيز ومبعوث الثانية الشافعي، والثالثة الأشعري أو ابن سريج، والرابعة الإسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني. ويتفقون على أن مبعوث المائة الخامسة هو الغزالي، ويقول السيوطي في ذلك:
والخامس الحبر هو الغزالي
وعده ما فيه من جدال
1
وأنا لا أريد الآن تحقيق هذه الفكرة، وبيان ما ترتكز عليه من أساس قوي أو ضعيف، فهي في ذاتها فكرة سخيفة، ونظم السيوطي فيها أسخف، ويكفي أن يعلم القارئ أن الغزالي بذ معاصريه، وأخملهم، حتى جاء المتأخرون فعدوه مجدد المائة الخامسة، وقد يكونون مخطئين! (2) المنامات والأحلام
ومما يدل على أن الغزالي شغل الناس، واحتل أفئدتهم، وصار موضع وساوسهم، وهواجسهم، وأحلامهم، ما رأيناه لغير واحد من المنامات المتشابهة في تأييد الغزالي، ونشر فضله.
فهذا السبكي يذكر في طبقاته أنه كان في زمانه شخص يكره الغزالي ويذمه ويعيبه في الديار المصرية، فرأى النبي
صلى الله عليه وسلم
في المنام، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه، والغزالي جالس بين يديه وهو يقول: يا رسول الله هذا يتكلم في! وأن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: هاتوا السياط، وأمر به فضربه لأجل الغزالي، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره، ولم يزل، وكان يبكي ويحكيه للناس (!؟).
ويذكر السبكي أيضا أن أبا الحسن بن حرزهم لما وقف على الإحياء وتأمله، قال: هذا بدعة، مخالف للسنة، وكان شيخا مطاعا في بلاد المغرب، فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ الإحياء، وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك، فكتب إلى النواحي، وشدد في ذلك، وتوعد من يخفي شيئا منه، فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء، ونظروا فيه، ثم أجمعوا على إحراقه يوم الجمعة وكان ذلك يوم الخميس، فلما كانت ليلة الجمعة رأى ابن حرزهم في المنام كأنه داخل من باب الجامع الذي تعود الدخول منه، فرأى في ركن المسجد نورا، وإذا بالنبي
صلى الله عليه وسلم
وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما جلوس، والإمام أبو حامد قائم وبيده الإحياء فقال: يا رسول الله، هذا خصمي! ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
فناوله كتاب الإحياء، وقال: يا رسول الله انظر فيه، فإن كان بدعة مخالفا لسنتك كما زعم تبت إلى الله تعالى، وإن كان شيئا تستحسنه حصل لي من بركتك، فأنصفني من خصمي! فنظر فيه رسول الله ورقة ورقة إلى آخره، ثم قال: إن هذا شيء حسن، ثم ناوله أبا بكر فنظر فيه كذلك، ثم قال: نعم! والذي بعثك بالحق يا رسول الله إنه حسن! ثم ناوله عمر فنظر فيه كذلك، ثم قال كما قال أبو بكر، فأمر رسول الله بتجريد أبي الحسن بن حرزهم من ثيابه، وضربه حد المفتري، فجرد وضرب، ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط، وقال: يا رسول الله، إنما حصل ذلك منه اجتهادا في سنتك وتعظيما. فعفا عنه أبو حامد عند ذلك، فلما استيقظ من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى، ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب، ثم سكن عنه الألم، ومكث إلى أن مات، وأثر السياط على ظهره (؟!).