تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقرر الغزالي بعد هذا أن في الصبر على الأهل رياضة للنفس، وكسرا للغضب، وتحسينا للخلق. ويذكرني هذا الأدب بما يكرره سيدي الأستاذ الدكتور منصور فهمي في رسائله من كلمة «غرم الحياة وغنمها» ويريد الترحيب بما في الحياة من متاعب، في سبيل ما فيها من الطيبات. والحق أن احتمال الأهل والولد من عزائم الأمور. والشبان الذين ينفرون من الزواج إيثارا للراحة، إنما هم جبناء، ضعفاء، لا يصلحون للجلاد في ميدان الحياة. (19) الخروج من المظالم

ونريد أن نبين رأي الغزالي فيما يجب على التائب الذي ظلم الناس، لأن في ذلك بيانا لرأيه في احترام ما يلزم المرء من مختلف الحقوق. وقد بدأ الكلام في هذا الموضوع بقوله عليه السلام: «من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم».

مظلمة العرض

فإن كانت المظلمة متعلقة بالعرض، فواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف على ما فعله، ليخرج من حق الله. ثم يستحل المغتاب ليحله، فيخرج من مظلمته. وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله، لئلا يقارف بريائه معصية جديدة.

مظلمة المال

وإن كانت المظلمة في المال فعليه أن يميز الحرام، وأن ينظر في مصرفه.

فإن كان الحرام معلوم العين: من غصب، أو وديعة، أو غير ذلك، فأمره سهل. وإن كان متلبسا فلا يخلو أمره من أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال، كالحبوب والنقود والأدهان، أو أن يكون في أعيان متمايزة: كالعبيد والدور والثياب.

فإن كان في المتماثلات، أو كان شائعا في المال كله، كمن اكتسب بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها بالمرابحة، وصدق في بعضها، أو من غصب دهنا وخلطه بدهن نفسه، وفعل ذلك في الحبوب والدراهم والدنانير، فلا يخلو أمره من أن يكون معلوم القدر أو مجهولا. فإن كان معلوم القدر: كأن يعلم أن قدر النصف من جملة ما له حرام، فعليه تمييز النصف. وإن أشكل فله طريقان: أحدهما الأخذ باليقين، والآخر الأخذ بغالب الظن، وكلاهما قال به العلماء.

وفي الأعيان المتمايزة: كالدور والعبيد، يوزع القاضي الثمن بقدر النسبة. وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور مثلا، وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويقدر التفاوت بالعرف.

صرف المال الحرام

فإذا أخرج الحرام فلا يخلو أمره: (أ)

إما أن يكون له مالك معين، فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه. وإن كان غائبا فينتظر حضوره. وإن كانت له زيادا ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره. (ب)

وإما أن يكون لمالك غير معين ميؤوس منه لا يدري أمات عن وارث أم لا. فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك، ويوقف حتى يتضح الأمر فيه. فإن لم يعرف المالك تصدق بالمال، وله أن ينفقه على نفسه وعلى أولاده إن كان فقيرا. ومثل ذلك ما لو تعذر الرد لكثرة الملاك، كفلول الغنيمة، فإنه كيف يقدر على جمع الغزاة بعد تفرقهم؟ وإن قدر فكيف يفرق دينارا واحدا على ألف أو ألفين؟ (ج)

وإما أن يكون من مال الفيء والأموال المرشدة لمصالح المسلمين كافة، فيصرف ذلك إلى القناطر، والمساجد، والطرق، وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها عامة المسلمين.

مظلمة النفس

وإن كانت المظلمة في النفس، كالقتل، فينظر في نوعه، فإن كان خطأ فليسلم الدية، وإن كان عمدا موجبا للقصاص فبالقصاص وله أن يتعرف إلى ولي الدم ويحكمه في روحه، فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله. وقد تنبه الغزالي إلى أن هناك ذنوبا يجب أن تستر، فلا يصح أن يظهر فيها الاستحلال؛ لأن في إظهاره جناية جديدة، والخروج من مثل هذه المظالم يكون بالمجاهدة، ورياضة النفس، والإحسان الموصول إلى من أساء المرء إليه، فإن في الإحسان جبرا للإساءة، وهو كل ما يستطيعه التائب في مثل هذه الحال. (20) واجب الاحتساب

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٩٢