وهذه عظة بالغة، لأولئك الذين كلما رأوا مبطلا فروا منه باسم الدين، وهم يفرون من الواجب لو يعلمون! (17) البغض في الله
يقول الغزالي: «كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله، فإنك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع لله، ومحبوب عند الله، فإن عصاه لا بد أن تبغضه، لأنه عاص لله وممقوت عند الله، ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، ولكن البغض كما رأيت لا يوجب المجافاة.
العصيان بالاعتقاد
والمخالف لأمر الله إما يكون مخالفا في عقده أو في عمله، والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر، والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت، إما بعجزه أو باختياره: فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة :
الأول:
الكفر والكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والإرقاق، وإن كان ذميا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له.
الثاني:
المبتدع يدعو إلى بدعته، فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية، ولا يسامح بعقد ذمة. وإن كان مما لا يكفر به فأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد. أما المبتدع الذي يدعو إلى البدعة ويزعم أن ما يدعو إليه حق فهو سبب لغواية الخلق وشره متعد، فالاستحباب في إظهار بغضه، ومعاداته، والانقطاع عنه، وتحقيره، والتشنيع عليه، وتنفير الناس منه، أشد.
الثالث:
المبتدع العامي، الذي لا يقدر على الدعوة، ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون. والأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة، بل يتلطف به في النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب.
العصيان بالفعل
أما العصيان بالفعل لا بالاعتقاد فأنواعه ثلاثة:
الأول:
وهو أشدها، ما يتضرر به الناس في دنياهم، كالظلم والغضب، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، وهذه معاص شديدة، لأنها ترجع إلى إيذاء الخلق. وأصحاب هذه المعاصي ينقسمون إلى من يظلم في الدماء، وإلى من يظلم في الأموال، وإلى من يظلم في الأعراض، بعضها أشد من بعض، والاستحباب في إهانتهم، والإعراض عنهم مؤكد جدا.
الثاني:
ما يتضرر به الناس في أخراهم لا في دنياهم، كعمل صاحب الماخور الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقها على الخلق، وهو قريب من الأول، ولكنه أخف منه.
وأنا لا أفهم كيف يرى الغزالي أن هذا لا يضر الناس في دنياهم.
9
الثالث:
عمل الذي يفسق به في نفسه، بشرب خمر. أو ترك واجب، أو مقارفة محظور يخصه. والأمر فيه أخف مما سبقه، ولكنه إن صودف وقت مباشرة العمل يجب منعه بما يمتنع به منه، ولو بالضرب والاستخفاف.
نتيجة
ويحسن بالقارئ أن يضم الحب في الله، والبغض في الله، إلى ما قرره الغزالي من وجوب الاحتساب، فإن ضم هذه الأبواب بعضها إلى بعض يعطينا صورة واضحة لما يجب أن يكون عليه المسلم أو المريد أو ذو الخلق الحسن فيما يرى الغزالي.
والرجل الذي أحاط بالحسبة، والحب في الله، والبغض في الله، هو رجل يعرف ما يجب عليه للهيئة الاجتماعية، التي تصلح بصلاح الأفراد، فيهذب نفسه أولا ليفهم بالضبط ما له وما عليه، ثم يدعو الناس إلى حفظ أموالهم وأنفسهم، وينهاهم عن اقتراف ما يضر بهم وبإخوانهم في الدين، ثم يبغض بقلبه وبجوارحه من يغض من العقيدة، أو يظلم الناس. وقد فصل الغزالي ذلك كله بأسلوب بالغ التأثير، ودعم كلامه بكثير من الآيات والأحاديث والأخبار. (18) آداب الزواج
يسميها الغزالي آداب النكاح، وهو أصح في التعبير، لأن النكاح في كتب التشريع لا يراد به الجماع، وإنما يقصد به العقد. ولكنا قلنا آداب الزواج مجاراة للعرف الحديث.
وقد وضع الغزالي عدة آداب للنكاح، تعد في الواقع ترغيبا فيه، وهي في جملتها من الآداب العادية، ويهمني منها أدب واحد، أصاب الغزالي في الاهتمام به، وهو تربية النفس بالزواج على احتمال أعباء المعاش. فقد ذكر أن الفائدة الخامسة من فوائد النكاح «هي مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية. والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده؛ فكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية وولاية، والأهل والولد رعية، وفضل الرعاية عظيم. وإنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها. وإلا فقد قال عليه السلام: «يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة.» ثم قال: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.» وليس من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا من صبر على الأذى كمن رفه نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله. ولذلك قال بشر: فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث: إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره. وقد قال عليه السلام: «ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وأن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته».