تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض لك ترتبط به، ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية والأخروية، فهو داخل في جملة الحب لله».

وإنما نوهنا بهذه الفقرة لأنها في صوابها تناقض ما يردده الغزالي من احتقار الأغراض الدنيوية، والإشادة بالحياة الأخروية مما يخيل إلى القارئ أن الدنيا عنده أحقر من أن تتعلق بها الأغراض.

الحب لله

وقد يحب الإنسان في الله ولله. ودون أن ينال منه شيئا، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته، وهذا أعلى الدرجات، وهو غاية في الدقة والغموض.

ميزان الحب

بين الغزالي أن المرء قد يحب لذاته، وقد يحب لمقصود دنيوي أو أخروي ينال منه، وقد يحب لله، لا لغرض يقصد في حال أو مآل.

ولكن ما هي دلائل ذلك الحب، حميدا كان أو غير حميد؟ وبأي ميزان يوزن ذلك الميل، حتى تعرف درجات المحبين؟

لقد وضع الغزالي ميزانا هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وهو المال! وانظر قوله: «ومن أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه وخدمه، وأحب من أحبه، إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس، وقد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظا إلا فيما هو حظ المحبوب، وعنه عبر من قال:

أريد وصاله ويريد هجري

فأترك ما أريد لما يريد

وقول من قال:

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض، كما تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله، أو في ثلثه، أو في عشره. فمقادير الأموال موازين المحبة، إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته، فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يملك لنفسه شيئا».

المال هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وقد أفصح عن ذلك الغزالي، وإن سبقه قول جميل:

سليني مالي يا بثين فإنما

يبين عند المال كل ضنين

ما للأخ على أخيه

وبعد الميزان الذي وضعه الغزالي للمحبة لا ترانا في حاجة إلى إجمال ما فصله من حقوق الأخوة، ويكفي أن نذكر أنه يرى للأخ حقا على أخيه: في نفسه، وماله، وقلبه، ولسانه، ولكل حق من هذه الحقوق درجات تتناسب مع ما تنطوي عليه الصدور من حب قوي أو ضعيف.

حقوق الأخ المذنب

على أني أرى من الواجب أن أذكر رأي الغزالي في حقوق الأخ المذنب، فإنه فيما أعتقد رأي كله صواب، وهو في الوقت نفسه كثير على عصر كالعصر الذي عاش فيه الغزالي، فلسنا نجهل أن الناس كانوا إذ ذاك قليلي التسامح، وأنهم كانوا مملوئين بالريب والظنون.

يرى الغزالي أن الصداقة لحمة كلحمة النسب. والقريب لا ينبغي أن يهجر بالمعصية. فقد قال تعالى للنبي في عشيرته:

فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون

8

ولم يقل إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة، ولحمة النسب. قال الغزالي: «ومن حيث أن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجب العقد. ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته وفقره. وفقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة، وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه، فينبغي أن يراقب ويراعى، ولا يهمل، بل ولا يزال يتلطف به ليعان على الخلاص من تلك الواقعة التي ألمت به، فالأخوة عدة للنائبات، وهذا من أشد النوائب».

وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن مقارف المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء فتجنب مقاطعته انتهاء، لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين، ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية. وقد أجاب بأن المعصية إنما منعت في ابتداء المؤاخاة مع الفاسق لأنه لم يتقدم له حق، أما الأخ المذنب فقد ثبتت أخوته، فلا تسقط بالمعصية، كما لا تسقط القرابة، ومتى بقيت فقد بقي ما كان لها من الحقوق.

ويزيد الغزالي: إن مصاحبة الفاسق خير من مجانبته، إذ كانت الصحبة داعية الرجوع إلى الحق، والإقلاع عن الباطل، بخلاف المجافاة، فقد تقوي فيه الإصرار والعناد.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٩٠