تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللغزالي في هذا الباب تفاصيل عجيبة فيما يتعلق بما يقيمون من القناطر والطرقات والمساجد والسقايات والأسواق. وأخص ما يلاحظ أنه إنما يدعو إلى أن يخلص المرء ذمته، مع البعد كل البعد عما يفضي إلى فتنة أو اضطراب. (16) حقوق الأخوة

المراد بالأخوة الصحبة والصداقة، إلى غير ذلك مما تثمر الألفة، والألفة - كما نص الغزالي - ثمرة حسن الخلق، إذ يوجب التحاب والتآلف والتوافق، كما أن سوء الخلق يثمر التباغض، والتحاسد، والتدابر.

ويجب فيما يرى الغزالي أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله، كما يجب أن يكون له أصدقاء يحبهم في الله.

ولكن الحب في الله، والبغض في الله غامض. ولكشف الغطاء عنه، قسم الصحبة إلى: ما يقع بالاتفاق، كالصحبة بسب الجوار، أو بسبب الاجتماع في المكتب، أو في المدرسة، أو في السوق ، أو على باب السلطان، أو في الأسفار، وإلى ما ينشأ باختيار وبقصد، وهو المراد. إذ لا ثواب ولا عقاب إلا على الأفعال الاختيارية. والصحبة عبارة عن المجالسة، والمخالطة، والمجاورة. وهذه الأمور لا يقصد بها الإنسان غيره إلا إذا أحبه. والذي يحب: إما أن يحب لذاته، وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصوده، وذلك المقصود: إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها. وإما أن يكون متعلقا بالآخرة، وإما أن يكون متعلقا بالله تعالى.

حب المرء لذاته وجماله

يرى الغزالي أن الإنسان قد يحب لذاته، لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل، بل لمجرد المجانسة، والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية، ويدخل في هذا القسم، فيما يرى، الحب للجمال إذا لم يكن للمحب غرض خبيث، فإن الجمال مستملح لذاته، وإن قدر فقد أصل الشهوة. والغزالي يضرب المثل لهذا بالنظر إلى الفواكه، والأنوار، والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة، وإلى الماء الجاري والخضرة من غير غرض مذموم إذ تحب لعينها. وهذا الحب كما يقول الغزالي لا يدخل فيه الحب لله، بل هو حب الطبع، وشهوة النفس، وهو مباح لا يوصف بمدح ولا بذم.

الحب للمنافع الدنيوية

وقد يحب الإنسان لينال من ذاته غير ذاته. كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه بماله، أو جاهه، ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده.

والمتوسل إليه - كما يقول الغزالي - إن كان مقصور الفائدة على الدنيا، لم يكن حبه من جملة الحب في الله، وإن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا، ولكنه لا يقصد به إلا الدنيا كحب التلميذ لأستاذه، فهو أيضا خارج عن الحب لله، فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه، فمحبوبه العلم.

وينقسم هذا الحب فيما يرى الغزالي إلى مذموم ومباح، فإن كان يقصد به التوصل لأغراض مذمومة كقهر الأقران، وحيازة أموال اليتامى، وظلم الرعية بولاية القضاء أو غيره، كان الحب مذموما. وإن كان يقصد به التوصل إلى مباح فهو مباح.

الحب للمنافع الأخروية

وقد يحب الإنسان، لا لذاته بل لغيره وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في الدنيا ، بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة، كمن يحب أستاذه لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة. وهذا من جملة المحبين في الله. ومثله من أحب زوجته لأنها آلة إلى مقاصد دينية، كالتحصن والولد الصالح.

الحب لمنافع الدنيا والآخرة

ويقول الغزالي: ليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجلة حظا ألبتة. ويقول: إذا اجتمع في قلبه محبتان: محبة الله، ومحبة الدنيا. فاجتمع في شخص واحد المعنيان جميعا حتى صلح لأن يتوسل به إلى الله وإلى الدنيا، فإذا أحبه لصلاحه للأمرين جميعا فهو من المحبين في الله، كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين، وكيفية مهمات الدنيا بالمواساة في المال.

الدنيا خليقة بالحب

ولا يفوتنا أن ننوه بما وفق إليه الغزالي حين قال: «وعلى الجملة، فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى، فحب السلامة، والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا، كيف يكون مناقضا لحب الله؟ والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى. فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا يحبها اليوم؟ وإنما يحبها غدا لأن الغد سيصير حالا راهنة. فالحالة الراهنة لا بد أن تكون مطلوبة. إلا أن الحظوظ العاجلة مقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها، وهو الذي احترز عنه الأنبياء، وأمروا بالاحتراز عنه. وإلى ما لا يضاد، وهو الذي لم يمتنعوا عنه كالنكاح الصحيح وأكل الحلال.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٨٩