أن لا يشغل بنوافل العبادة، وببابه أحد أرباب الحوائج. (6)
أن لا يعود نفسه الاشتغال بالشهوات: من لبس الثياب الفاخرة، وأكل الأطعمة الطيبة، بل يتعود القناعة في جميع الأشياء، فلا عدل بلا قناعة. (7)
أن يتجنب الشدة، والعنف كلما أمكنه الرفق. (8)
أن يجتهد في أن ترضى عنه الرعية بموافقة الشرع. (9)
أن لا يطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع. (10)
أن يعين رعيته إذا وقعت في ضائقة، وأن ينفق عليها من خزائنه، إذا وقعت في قحط أو غلاء، لأن في ذلك استبقاء لطاعتهم ودرءا لمطامع المحتكرين .
والغزالي لا يستنكر قسوة الملك، إذا لؤمت الرعية، بل يدعو إلى أن تهابه الرعية وهو بعيد، ويقول: «وسلطان هذا الزمان يجب أن تكون له أوفى سياسة، وأتم هيبة، لأن أناس هذا الزمان ليسوا كالمتقدمين، فإن زماننا هذا زمان ذوي الوقاحة والسفهاء، وأهل القساوة والشحناء. وإذا كان السلطان والعياذ بالله بينهم ضعيفا أو كان غير ذي سياسة فلا شك أن ذلك يكون سبب خراب البلاد، وأن الخلل يعود على الدنيا والدين».
7
والسياسة في كلامه هذا معناها الحزم في شدة وقسوة، لينتهي الفاسدون. (14) حقوق الوزراء
وعلى الملك أن يعامل الوزير بثلاث أشياء:
الأول:
إذا ظهرت منه زلة، أو وجدت منه هفوة فلا يعاجله بالعقوبة.
الثاني:
إذا اتسعت حاله في خدمته واستغنى، فلا يطمع في ماله وثروته.
الثالث:
إذا سأله حاجة فلا يتوقف في قضائها.
وينبغي أن يمنحه ثلاثة أشياء:
الأول:
أن لا يمتنع عن رؤيته متى اختار أن يراه.
الثاني:
أن لا يسمع في حقه كلام مفسد.
الثالث:
أن لا يكتم عنه شيئا من سره، لأنه مدبر الدخل وبه عمارة الخزائن والولايات.
ويجب على الوزير:
أولا:
أن يكون محبا للخير، مبغضا للشر.
ثانيا:
أن يعين الملك على الشفقة بالرعية إذا رأى منه الميل لذلك.
ثالثا:
أن يرشده باللطف إذا رأى منه ميلا للظلم.
ويقول الغزالي في نصح الملك الذي أهداه كتابه: «وينبغي أن تعلم أن دوام الملك بالوزير، وأن دوام الدنيا بالملك، وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز له أن يهتم بغير الحياة» 79.
وهذه الواجبات التي وضعها للملوك والوزراء تعتبر في الواقع مجملة بالنسبة لما يحتاجون إليه من شتى الآداب في معاملة الرعية، ومعاملة جيرانهم من الدول، ولكن يلاحظ كذلك أنه حكم الشرع في جملة هذه الآداب، وقد وضع الفقهاء بعض الأحكام التي تخص الخلفاء والولاة، وما أحسبه يخالفهم في هذا الباب. (15) معاملة الملوك الظالمين
ومما يوضح جانبا من جوانب الأخلاق عند الغزالي رأيه في معاملة الظلمة من الأمراء والسلاطين، فقد حتم على من يأخذ مالا منهم أن ينظر كيف وصل إليهم ، وأن يتأمل الصفة التي استحق بها الأخذ، والمقدار الذي يأخذه، وهل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في الاستحقاق، وبين أنه إذا لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام، فالأخذ منه سحت محض. وأن واجب الورع يقضي بأن لا يأخذ المرء شيئا من مال الظالم على الإطلاق، فإن لم يستطع فيأخذ ما يتأكد أنه حلال.
أما الدخول على الظلمة وغشيان مجالسهم فهو محظور. ولا تجوز زيارة الملك الجائر إلا بعذرين:
الأول:
أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا أمر إكرام، ويعلم الرجل أنه إن امتنع أوذي، او فسدت طاعة الرعية، فتجب عليه الإجابة، لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق، حتى لا تضطرب الولاية.
الثاني:
أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه. أو عن نفسه، بطريق الحسبة، أو بطريق التظلم.
وإذا دخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه، والقيام له غير حرام، والأولى تركه إن لم يكن معه أحد. ثم تأخذ في تعريفه ما يجهله، وتخويفه فيما هو مستجرئ عليه. وإرشاده إلى ما هو غافل عنه.
والأفضل فيما يرى الغزالي أن يعتزلهم المرء فلا يراهم ولا يرونه! والأمر كذلك في معاملة قضاتهم، وعمالهم، وخدمهم.