أن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه. (6)
أن لا يروج الزيف من الدراهم أثناء النقد، إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره. وهكذا دواليك، ومن هنا وجب على التاجر تعلم النقد، لا ليستقصي لنفسه فحسب، ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفا وهو لا يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم. (7)
أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولا يمكن إلا بغبن ما، ولكن يراعي فيه التقريب. (8)
أن يحسن نيته في ابتداء التجارة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع عن الناس، والقيام بكفاية الأولاد. (9)
أن يقصد القيام في تجارته أو صنعته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات والتجارات لو تركت لهلك أكثر الناس. (10)
أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، بأن يكون أول داخل في السوق وآخر خارج منه، وبأن يركب البحر في التجارة، ففي الخبر «لا يركب البحر إلا بحج أو عمرة أو غزو».
هكذا يرى الغزالي. وهذه منه نزعة صوفية لا تأتلف مع واجب الرجل الأخلاقي في الحياة الاجتماعية. فللتاجر أن يكون أول داخل في السوق وآخر خارج منه، بل عليه ذلك، وعليه أن يركب البحر في التجارة، وأن يسلك إلى الربح كل سبيل. والحج والعمرة، والغزو، كل أولئك من وسائل الحياة. ولكن أكثر الناس لا يفهمون. (11)
أن لا يقتصر على اجتناب الحرام، بل يتقي مواضع الشبهات، ومظان الريب، ولا ينظر إلى الفتاوى، بل يستفتي قلبه. وإذا حملت إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل الشبهة. (12)
أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه ويعد جوابه ليوم الحساب والعقاب . (13)
أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ينبغي أن يكون سبب استضرار أخيه. (14)
أن يخص في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة، وهو في الحال عازم على ألا يطالبهم إن لم تظهر لهم ميسرة. (15)
أن يحسن في استيفاء الثمن، وسائر الديون، فيتسامح مرة، ويمهل مرة، ويحط البعض مرة.
وبعد سرد هذه الآداب لا يفوتنا أن ننوه بعناية الغزالي بصالح الهيئة الاجتماعية، فإن التاجر الذي تأدب بهذه الآداب تمسي تجارته ولا شك ربحا عاما للناس، ويصبح خادما لأهل بلده من حيث لا يعلمون.
هذا وجه الجمال في هذه الآداب التي خص بها التجار وما أنكر أن فيها جانبا من الضعف بإثقال التاجر بكثير من التكاليف الظاهرة والمستورة، في حين أنه يجب تمرينه على المخاطرة في سبيل الحياة، ولكن الغزالي لا يعدل بالسلامة شيئا والسعيد عنده من نجا بدينه، وإن خسر دنياه. (8) آداب المسافر
وضع الغزالي فصولا مطولة عن السفر، وفوائده، وآفاته، وعده نوعا من الحركة والمحافظة. وبين الباعث عليه من هرب أو طلب، وأطال في ذلك وأجاد.
نحن ذاكرون هنا طائفة مما وضع للمسافر من الآداب: (1)
أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ويرد ما عنده من الودائع، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب، وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه. (2)
أن يختار رفيقا، فلا يخرج وحده، وليكن رفيقه من أهل الدين، فإن المرء على دين خليله. (3)
أن يودع رفقاء الحضر، والأهل، والأصدقاء. (4)
أن يرحل من المنزل بكرة فإن الخير في البكور. (5)
أن يجعل أكثر سيره بالليل، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار. (6)
أن يحتاط بالنهار، فلا يمشي منفردا خارج القافلة، فربما ينقطع، أو يغتال، وأن يتحفظ عند النوم بالليل. (7)
أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق، ولا يضربها في وجهها، وأن يروحها بالنزول عنها غدوة وعشية. (8)
أن يحمل معه مرآة، ومكحلة ومقراضا، ومسواكا ومشطا، وقارورة، وركوة، وحبلا. (9)
أن ينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها، ويجتهد في أن يسع من كل واحد كلمة، أو أدبا ينتفع به. (10)