أنه قد يفرط فينتهي به الإفراط إلى الكذب. (2)
وقد يدخله الرياء، فإنه بالمدح مظهر للحب، وقد لا يكون مضمرا له، ولا معتقدا لجميع ما يقوله، فيصير به مرائيا منافقا. (3)
وقد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه، ويرى الغزالي أن هذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة: كقولك إنه متق، وورع وزاهد، وخير، وما يجري مجراه. (4)
وقد يفرح الممدوح، وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز. أما آفاتها في حق الممدوح فهي: (1)
إن المدح قد يحدث فيه كبرا وإعجابا، وهما مهلكان. (2)
وإنه إذا أثنى عليه بالخير فرح وفتر، ورضي عن نفسه، فقل جده.
وبعد أن بين الغزالي آفات المدح، دعا الممدوح إلى أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر، والعجب، وآفة الفتور، بأن يتأمل ما في خطر الخاتمة، ودقائق الرياء، وآفات الأعمال، فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح، ولو انكشفت له جميع أسراره وما يجري على خواطره، لكف المادح عن مدحه، وحضه كذلك على أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح.
الغفلة
الآفة الثامنة عشرة هي الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، ويرتبط بأمور الدين.
ومن الأمثلة التي ذكرها الغزالي أنه لا يصح أن تقول عبدي وأمتي، لأننا جميعا عبيد الله، ونساؤنا جميعا إماء الله، بل تقول غلامي وجاريتي ... إلخ.
السؤال عن صفات الله
الآفة التاسعة عشرة هي سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه، وعن الحروف، وإنها قديمة أو محدثة. يقول الغزالي: «وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم، لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات، والإيمان بما ورد به القرآن، والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث. وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات سوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل، ويتعرضون لخطر الكفر. وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة».
الغناء
الآفة العشرون هي الغناء، وتجد تفصيلها في البحث عن رأيه في الفنون.
وإنه ليخيل إلى المرء أن الغزالي بالغ في آفات اللسان، ولكن هذه المبالغة ليست إلا نوعا من الاحتياط، وهي ليست كبيرة على من يطمع في مكارم الأخلاق.
الفصل السابع
| رذيلة الرياء
إنك لترحم الغزالي حين تقرأ ما كتبه عن الرياء، فإنك تتصوره رجلا كاد يجن من غلبة الجهال في عصره. ويكفي أن نلخص آراءه في هذا الباب لترى كيف كان الرجل يمقت الرياء، ويبغض من أعماق صدره أعمال المرائين.
فما يمقته الغزالي أن يظهر المسلم النحول والصفار، ليدل بالنحول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليالي. يقول الغزالي: «ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض صوته، وضعف الجوع هو الذي أضعف من قوته».
ومن الرياء تشعيث الشعر، وحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، وتشميرها إلى قريب من الساق، وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب، والتطويل في الركوع والسجود ... إلخ.
ولم يغفل الغزالي عن الشؤون الاجتماعية وهو يتكلم في الرياء، فقد بين أن من الناس من يظهر التقوى والورع والامتناع عن أكل الشبهات، ليعرف بالأمانة فيولى القضاء، أو الأوقاف أو الوصايا، أو مال الأيتام فيأخذها. أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها. أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها. أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل بعضها أو كلها ... إلخ.
وللغزالي في هذا الباب نظر بعيد: فهو يعين العيوب الاجتماعية، ويشرح عيوب العلماء والزهاد. ويظهر أن الناس لعهده كانوا يتخذون دين الله سلما لأغراضهم الخبيثة: من الفسق والفجور، ونهب الأموال.