وللغيبة أسباب نذكر منها الأربعة الآتية: (1)
موافقة الأقران، ومجاملة الرفقاء، ومساعدتهم على الكلام. (2)
إرادة التصنع، والمباهاة، كأن يرفع المرء نفسه بتنقيص غيره. (3)
اللعب، والهزل، والمطايبة، وتزجية الوقت بذكر عيوب الناس. (4)
البراءة مما ينسب المرء إليه بتنقيص من يفعله.
وقد تنبه الغزالي إلى ما يقع فيه علماء الدين، فقد ينكرون المنكر، ويقعون في صاحبه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، مع أنهم يكفيهم أن يشخصوا المنكرات بلا تعرض للأشخاص، وقد يغضبون لله حين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكنهم يذكرون أشخاصا بالسوء، فيحبطون ما يعملون.
والغزالي يصف لعلاج الغيبة قراءة الآثار والأحاديث الواردة في هذه الآفة. وقد عد سوء الظن غيبة القلب ونهى عنه ثم ذكر المواطن التي تجوز فيها الغيبة، وقد فصلناها أيضا في الوسائل والغايات، كما بينا رأيه في كفارة الغيبة في الخروج من المظالم.
النميمة
الآفة الخامسة عشرة هي النميمة. وهي كما يقول الغزالي «كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث. وسواء كان الكشف بالقول، أو بالكتابة، أو بالرمز، أو بالإيماء . وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه أو لم يكن».
5
ولم يقتصر الغزالي على تقبيح النميمة، وعدها من آفات اللسان، بل وضع للرجل آدابا خاصة إزاء النمام. وهي: (1)
أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق، وهو مردود الشهادة. (2)
أن ينهاه عن ذلك، وينصح له، ويقبح عليه فعله. (3)
أن يبغضه في الله، فإنه بغيض عند الله. (4)
أن لا يظن بأخيه الغائب السوء، فإن بعض الظن إثم. (5)
أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث لأجل التحقق. (6)
وأن لا يحكي النميمة، وإلا رضي لنفسه ما نهى النمام عنه.
قال الغزالي: «والسعاية هي النميمة، إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية» ثم نقل قول مصعب بن الزبير: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي، فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه، حيث لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة».
6
ولا شك في أن الغزالي يرتضي حكم مصعب في قبول السعاية، لأنه لم يعقب عليه، ولم يذكر من أقوال السلف ما ينقضه. والسعاية والنميمة شيء واحد، أو كأنهما شيء واحد، فمن الواجب أن تكون آداب المرء واحدة إزاء النمامين والسعاة، وهو ما نحسبه رأي الغزالي وإن لم يصرح به.
وفي الوسائل والغايات تجد ما يجوز من النميمة فيما يرى الغزالي.
كلام ذي اللسانين
الآفة السادسة عشرة هي كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه، وهو فيما يرى الغزالي نفاق «ولو دخل رجل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا لم يكن ذا لسانين ولم يكن منافقا، فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة، إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء، نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة، إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط، فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام. وإن لم ينقل كلاما، ولكن حسن لكن واحد منهما ما هو عليه من المعاداة لصاحبه فهذا ذو لسانين، وكذلك إذا أثنى على أحدهما وإذا خرج من عنده ذمه فهو ذو لسانين. بل ينبغي أن يسكت، أو يثني على المحق من المتعاديين في غيبته وفي حضوره، وبين يدي عدوه ... ولا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو منافق، بل ينبغي أن ينكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه».
7
المدح
الآفة السابعة عشرة هي المدح، وهو منهي عنه في بعض المواضع، وفي بعضها لا بأس به، بل ربما كان مندوبا إليه، وقد بين الغزالي أن لهذه الرذيلة أربع آفات في حق المادح، واثنتين في حق الممدوح، أما آفاتها في حق المادح فهي: (1)