وأكرر ما قلته من أن الغزالي لا يغضب إلا حين يحارب رذيلة يراها بعينه فكلامه في تلك صورة لعصره، وليس أثرا لمطالعاته في الكتب القديمة التي تصف عيوب الناس. وفي مقدور الباحث أن يستخرج من كتاب الإحياء صورة واضحة للعلماء والزهاد في عهد الغزالي. ولا أقول الحكام والأمراء، لأنه تكلم عن الحكومة لعهده بضعف وفتور، ولم يقاس السلاطين شيئا من لسانه الحديد!!
الباب التاسع
| في العلوم والفنون والتربية
| تمهيد
نذكر في هذا الباب خلاصة لآراء الغزالي في العلم والعمل والفرق بين علم الدنيا وعلم الآخرة، وكيف يفهم علم الفقه، وعلم التوحيد، ثم نذكر بالإيجاز فهمه للفنون الجميلة، ثم نبين المنهج الذي وضعه لتربية الأطفال، وما يراه من آداب المعلمين والمتعلمين، وكيف أهمل تربية البنات.
الفصل الأول
| العلوم
تكلم الغزالي عن العلم والعمل، وأيهما أفضل للمريد، في مواطن كثيرة من مؤلفاته في الأخلاق.
وقد لاحظت أنه لم يكن موحد الرأي في هذا البحث، فتارة يقدم العلم على العمل، وأخرى يقدم العمل على العلم. ويخيل إلي أن نزعته الصوفية كانت سبب هذا التردد، بل وأحسب أيضا أنه كان يداري أهل عصره، ويسايرهم في كثير من الشؤون. فقد أراه يهم بالكشف عن المقصود من العلم ثم يتراجع. ولو جرؤ قليلا لبين لنا أن العلم النافع لا يقتصر على معرفة العبادات، وما إليها من دقائق التصوف والتوحيد، بل هنالك البحث في طبائع الأشياء، والتنقيب عن السر في أن الله سخر لنا ما في الأرض جميعا.
غير أنه لم يكد يذكر قوله عليه السلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر»، حتى اندفع يقول «ذلك العلم المقدم على العمل لا يخلو: إما أن يكون هو العلم بكيفية العمل، وهو الفقه وعلم العبادات، وإما أن يكون علما سواه. وباطل أن يكون الأول لوجهين: أحدهما أنه فضل العالم على العابد، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة، وإلا فهو عابث فاسق، والثاني أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل، لأن العلم بالعمل لا يراد لنفسه، وإنما يراد للعمل، وما يراد لغيره يستحيل أن يكون أشرف منه».
وكان المظنون بعد هذه المقدمة أن يعطي العلوم ما تستحق من التفضيل. ولكنه قسمها إلى قسمين: عملي ونظري. أما العملي فقد قدم أنه ليس بأفضل من العمل، وأما النظري فقد زيفه جميعه، ولم يستبق منه إلا ما يرجع «إلى العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت السموات والأرض وعجائب النفوس الإنسانية والحيوانية من حيث إنها مرتبطة بقدرة الله عز وجل لا من حيث ذواتها».
مناقشة قصيرة
من هنا يتبين أن واجب العابد لا يخرج عن العبادة والتفكر في المعبود، وما إلى ذلك من معرفة الملائكة والكتب والرسل وملكوت السموات والأرض إلى آخر ما قال.
ونسأل الغزالي: ما رأيه إذا توقف فهم الكتب السماوية على إدراك روح التشريع، بفهم أصول القوانين؟
وما رأيه إذا توقف فهم «عجائب النفوس الإنسانية والحيوانية» على علم النفس، وعلم وظائف الأعضاء؟
وما رأيه إذا اقتضت معرفة الرسل درس التاريخ القديم والحديث، لفهم ما قد يضطر إليه المشرعون من الرسل والأنبياء في مختلف العصور؟
وما رأيه إذا توقف إدراك ما في الكتب السماوية من سياسة الناس على علم الاجتماع؟
لم ينكر الغزالي أهمية العلوم العقلية والنقلية، ولكنه جعل بعضها وسيلة للعلوم النظرية، والوسيلة بالطبع دون الغاية في الرتبة. وجعل بعضها علوما عملية، وهي أيضا وسيلة للعمل، فلا يعقل أن تكون أشرف منه!
فلم يبق من العلم المقدم على العمل إلا العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في ذاته علم شريف.
ولكني أحب أن أضع هذا السؤال: أيكون من يشغل نفسه بهذا النوع من المعرفة أفضل أمام العقل والشرع ممن أفنى عمره في درس الطب حتى استطاع أن يعرف كيف تغذى الديدان التي تحدث البول الدموي، والتي تهلك في كل عام ما يعد بالملايين؟ وهل يقدم محيي الدين بن عربي يوم القيامة، على من يقضي حياته لا في التفكر في ملكوت الله، بل في غزو السل والسرطان؟