تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والباعث على الفحش فيما يرى: إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق، وأهل الخبث واللؤم.

وقد عد الغزالي الفحش والسب والبذاء آفة واحدة، وأضاف إليها «البيان» الوارد في حديث (البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق) وفسر هذا البيان بكشف ما لا يجوز كشفه، أو المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف. أو البيان في أمور الدين، وفي صفات الله أمام العوام، إذ قد يثور من غاية البيان فيها شكوك ووسواس.

اللعن

أما الآفة الثامنة فهي اللعن، لحيوان أو إنسان أو جماد، وكل ذلك مذموم.

وللغزالي في هذا الباب نظر دقيق: فهو لا يجيز أن تقول في رجل حي من اليهود مثلا لعنه الله، كما تقول لعن الله أبا جهل وفرعون، فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله، ولا يجيز أن يلعن المبتدع لأن معرفة البدعة غامضة «ومن بان لنا موته على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى لمسلم، فإن كان لم يجز ولا يجوز لعن يزيد، لأنه يجوز أن يقال إنه قتل الحسين، أو أمر بقتله ما لم يثبت ذلك. فضلا عن اللعنة: إذ لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ولا يجوز أن يرمى مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق».

قال الغزالي: «والمؤمن ليس بلعان، فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين».

المزاح

الآفة التاسعة هي المزاح، والمذموم منه فيما يرى الغزالي هو الإفراط فيه، أو المداومة عليه. فلك أن تمزح كما كان يمزح رسول الله: فلا تقول إلا حقا، ولا تؤذي قلبا، ولا تفرط فيسقط وقارك.

الاستهزاء

أما الآفة العاشرة فهي الاستهزاء، وحده كما قال الغزالي: «الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء».

وقد نص الغزالي على أن هذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة، وربما فرح من أن يسخر به، كانت السخرية في حقه من جملة المزاح فله حكمه، لأن المحرم هو استصغار يتأذى به المستهزأ به، لما فيه من التحقير.

إفشاء السر

الآفة الحادية عشرة هي إفشاء السر، وهو مذموم لما فيه من الإيذاء والتهاون في حق المعارف والأصدقاء، يقول الغزالي: «وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار».

وقد عد من حقوق الأخ على أخيه في كتاب الصحبة: «أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه، وله أن ينكره وإن كان كاذبا، فليس الصدق واجبا في كل مقام، فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب، فله أن يفعل ذلك في حق أخيه. فإن أخاه نازل منزلته، وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن».

الوعد الكاذب

الآفة الثانية عشرة هي الوعد الكاذب، وقد بين الغزالي أن ذلك يكون بالوعد على نية الحلف، أو ترك الوفاء من غير عذر، ولا جناح على من عزم على الوفاء فمن له عذر فمنعه.

الكذب في القول واليمين

الآفة الثالثة عشر هي الكذب في القول واليمين. وقد نص الغزالي على «أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة، فالكذب المحصل لذلك الجهل يكون مأذونا فيه وربما كان واجبا.» وقد بينا المواطن التي أباح الغزالي فيها الكذب حين تكلمنا عن رأيه في الوسائل والغايات.

الغيبة

الآفة الرابعة عشرة هي الغيبة. وحدها «أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته».

وقد نص على أن التصريح ليس شرطا في تحقيق الغيبة، بل تكفي الإشارة، والإيماء، والغمز، والهمز، والكتابة، والحركة، وكل ما يفهم منه المقصود.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦٨