تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

المراء والجدال

أما الآفة الرابعة فهي المراء والجدال. والمراء كما حدده الغزالي «هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه. إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم».

وترك المراء فيما يرى يكون بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعه المرء صدق به إن كان حقا، وسكت عنه إن كان باطلا أو كذبا. ولم يكن متعلقا بأمور الدين. وليس له أن يطعن في كلام غيره بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة، أو من جهة النظم والترتيب، أو من جهة المعنى، أو من جهة القصد: كأن يقول هذا كلام حق، ولكن ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض. يقول الغزالي: «وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص باسم الجدل. وهو أيضا مذموم، بل الواجب السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد. أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن». «وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير، وتعجيزه، وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور والجهل فيه».

والباعث على المراء والجدال فيما يرى الغزالي هو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار نقصه، وهما شهوتان باطنتان للنفس يرجعان إلى السبعية والكبرياء.

وأما العلاج فيكون بكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره (والسبعية في عبارات المتقدمين هي القوة الوجدانية المشتركة بين الإنسان وبين كبار الحيوانات: فالانتقام قوة سبعية لأنه من صفات الجمل، والعفة من أكل ما يكسب الغير قوة سبعية لأنه من صفات الأسد، إذ لا يأكل الأسد فريسته).

الخصومة

أما الآفة الخامسة فهي الخصومة. وهي لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو مقصود. قال الغزالي: «فإن قلت: فإذا كان للإحسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه، مهما ظلمه ظالم، فكيف يكون حكمه، وكيف تذم خصومته؟ فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم، ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية لا يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق. ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره ... فاما الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا».

وقد بين الغزالي كيف توغر الخصومة الصدر، وتهيج الغضب حتى ينسى المتنازع فيه، ويبقى الحقد بين المتخاصمين: فيفرح كل واحد بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه. فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات.

التقعر في الكلام

الآفة السادسة هي التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع فيها بالتشبيهات والمقدمات، وما جرت به عادة المتفاصحين.

والغزالي يفرق بين من يلقي خطبة، وبين من يتكلم كلاما عاديا، ولا حرج على الخطيب فيما يرى الغزالي أن يلجأ إلى المحسنات اللفظية، في غير إفراط أو إغراب، فإن المقصود من الخطبة تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها، ولرشاقة اللفظ في ذلك كله تأثير.

أما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات، فالغزالي ينكر أن يكون فيها أي مظهر من مظاهر التكلف كالسجع أو غيره «بل ينبغي أن يقتصر المرء في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم».

والآفة الخلقية للتصنع فيما يرى الغزالي ترجع إلى الباعث عليه: وهو الرياء، وحب الظهور بالفصاحة، والتميز بالبراعة.

الفحش

والآفة السابعة هي الفحش، وهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. وهذه العبارات متفاوتة في الفحش، وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بعادة البلاد. وقد ذكر الغزالي من ذلك ما يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، والعيوب التي يستحيا منها كالبرص والقراع والبواسير، ثم حض على استعمال الكتابة في مثل تلك المواطن.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦٧