فهذه آفات كثيرة، وهي سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع، ومن الشيطان. والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب، ويمسكه ويكف عما لا يحب، فإن ذلك من غوامض الكلم».
ثم خشي أن يرميه القارئ بالإسراف فقال: «ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر: وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة. أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه من ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر. وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران.
فلم يبق إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام. وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء، والتصنع، والغيبة، وتزكية النفس، وفضول الكلام، امتزاجا يخفي دركه، فيكون الإنسان به مخاطرا».
1
وهذا من الغزالي إغراق في حب السلامة. ونحن ذاكرون خلاصة هذه الآفات، لنعرف رأيه في طبائع الأفراد.
الكلام فيما لا يعني
أما الآفة الأولى: فهي الكلام فيما لا يعني، وحده - كما قال الغزالي- أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال أو مآل، ومن أمثلته فيما يرى أن يذكر المرء أسفاره وما رأى فيها من جبال وأنهار، وما وقع له فيها من الوقائع وما استحسنه من الأطعمة والثياب، وما تعجب منه من مشايخ البلاد وحوادثهم.
ولم ينتبه الغزالي لخطر هذا المثال. فإن الكلام عن الأسفار والرحلات من الأمور ذوات البال، والتحدث عن طبائع البلاد وأخلاق الناس من المستحسنات. ونحن مدينون بما نعلم من عادات الأمم وأخلاقها إلى هؤلاء الذين يتحدثون بما لا يعنيهم فيقصون علينا ما رأوا في أسفارهم من الجبال، والأنهار، والأطعمة والثياب، وإن عد الغزالي حديثهم ولو احترزوا تضييعا للزمان.
ومما أصاب في عده مما لا يعني أن ترى إنسانا في الطريق فتقول من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكر تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب فيه. وكذلك سؤالك أمرءا عن المعاصي، وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وسؤالك عما حدث به غيرك.
والباعث على هذه الآفة - فيما يرى - هو الحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه، أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد، أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها.
وأما علاج ذلك فهو أن يعلم أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أنفاسه رأس ماله، وأن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين، فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين.
يقول الغزالي : «هذا علاجه من حيث العلم، وأما من حيث العمل فالعزلة، وأن يضع حصاة في فيه، وأن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه، حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه»
2 (؟!).
فضول الكلام
أما الآفة الثانية: فهي فضول الكلام. وهو يتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة. فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر، ويمكنه أن يجسمه ويقرره ويكرره. قال الغزالي: «ومما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين، فالثانية فضول وهو مذموم وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر».
3
وسبب هذه الآفة وعلاجها مماثلان لسبب وعلاج الكلام فيما لا يعني.
الخوض في الباطل
وأما الآفة الثالثة: فهي الخوض في الباطل. وعد الغزالي منه حكاية أحوال النساء ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك، ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، وقرر أن مثل هذا لا يحل الخوض فيه وهو حرام، بخلاف الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى. ويدخل الغزالي في هذا الباب الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة، وحكاية ما جرى من قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم. ثم قال: «وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها لذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين والدنيا».