تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وألاحظ أن كلامه في هذا الباب غير واضح، وقد لاحظ هو ذلك، فأخذ يشرح أمثال الرذائل الآتية: الاستشاطة، الانفراك، التخاسس، البذالة، الشكاسة، الكزازة، التحاشي، النكول، الغمارة ... إلخ.

والأمر ينبغي كذلك في الفضائل المتفرعة من أمهات الأخلاق.

وينبغي أن لا ننسى أن الغزالي يوصي دائما بقلع الخلال الرديئة وغرس مكارم الأخلاق، ويسمي هذا بالتخلية، والتحلية، أي إخلاء القلب من الشهوات، ثم تحليته بكرائم النزعات.

وإذ كنا بينا رأيه في جملة من الفضائل الضرورية للأفراد، فإنا ذاكرون كذلك رأيه في طائفة من العيوب والرذائل الكثيرة الوجود، ليتضح ما يتصوره من المثل الأعلى للحياة.

الفصل الأول

| رذيلة الغضب

الغضب قوة تتوجه عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها. وهو فيما يرى الغزالي ثلاث درجات: التفريط، والإفراط، والاعتدال.

أما التفريط ففقد هذه القوة، أو ضعفها. وهو مذموم إذ من ثمراته قلة الأنفة مما يؤنف منه، كالتعرض للحرم والزوجة، والأمة، واحتمال الذل من الأخساء، وصغر النفس.

وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن العقل والدين، فلا تبقى للمرء بصيرة، ولا نظر، ولا فكرة، ولا اختيار.

وأما الاعتدال فهو المحمود، وهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين؛ فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم.

قال الغزالي: «فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه ليغض من سورة الغضب ويقف على الوسط بين الطرفين».

1

أسبابه

وأسباب الغضب فيما يرى الغزالي ترجع إلى ثلاثة أقسام:

الأول:

ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت، والملبس والمسكن، وصحة البدن وهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها، ومن الغيظ على من يتعرض لها.

والثاني:

ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير، والغلمان، والدواب وقد صارت هذه الأشياء محبوبة بالعادة، والجهل بمقاصد الأمور.

الثالث:

ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص.

علاجه

وقد وضع الغزالي طريقة لاستئصال رذيلة الغضب، كما وضع طريقة لتسكينه حين يثور.

أما الطريقة الأولى فهي استئصال الغضب باستئصال أسبابه وإذ كانت الأسباب المهيجة له هي الزهو، والعجب، والمزاح، والهزل، والهزء والتعبير، والمماراة، والمضادة، والغدر، وشدة الحرص على حصول المال، والجاه، فينبغي للخلوص من الغضب إزالة هذه الأسباب، وهي في نفسها رذائل تحتاج إلى رياضة، ورياضتها الرجوع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها، وتنفر عن قبحها، ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس. فإذا انمحت عن النفس فقد ذكت وتطهرت من هذه الرذائل، وتخلصت أيضا من الغضب الذي يصدر منها.

أما علاج الغضب بعد هيجانه فيرجع إلى العلم والعمل. والعلم ستة أمور: (1)

أن يتفكر في الأخبار الواردة في كظم الغيظ، والعفو، والحلم، والاحتمال. (2)

أن يخوف نفسه بعقاب الله، فيذكر أن قدرة الله عليه أعظم من قدرته على من يريد أن يمضي فيه غضبه. (3)

أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو لمقابلته، والسعي في هدم أغراضه، والشماتة بمصائبه. (4)

أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، ومشابهة الغضبان للكلب الضاري، ومشابهة الحليم للأنبياء. (5)

أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، ويمنعه من كظم الغيظ. (6)

أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده.

أما علاج الغضب بالعمل فهو أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فإن لم ينفع بك، فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسا، واقرب من الأرض التي منها خلقت؛ لتعرف ذل نفسك، فإن لم ينفع ذلك فتوضأ، أو اغتسل بالماء البارد.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦٢