درء الشر بالشر
بعد أن بين الغزالي علاج الغضب، وفضيلة الحلم، وكظم الغيظ، أخذ في بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام. وهو على الجملة لا يجيز مقابلة الغيبة بالغيبة، ولا مقابلة التجسس بالتجسس، ولا السب بالسب، وكذا سائر المعاصي. ويجيز أن ينتصر المظلوم لنفسه بالكلام في غير تلك المنكرات، ولكن الأفضل تركه، فإنه يجر إلى ما وراءه، ولا يمنعه الاقتصار على قدر الحق فيه. والسكوت عن الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه.
ثم قسم الناس باعتبار الغضب إلى أربعة أقسام: قسم سريع الوقود سريع الخمود، وقسم بطيء الوقود بطيء الخمود، وقسم سريع الوقود بطيء الخمود، وهو شرهم، وقسم بطيء الوقود سريع الخمود. قال الغزالي وهو الأحمد ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة.
وقد أوجب على صاحب السلطان أن لا يعاقب أحدا في حال غضبه لأنه ربما يتعدى الواجب، ولأنه ربما يكون متغيظا على المعاقب فيكون متشفيا لغيظه ومريحا نفسه من ألم الغيظ، فيكون صاحب حظ، مع أن الواجب أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا لنفسه.
ولا يفوتنا أن نذكر أن الغزالي كرر النصح بتجنب من يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب، ويسمون ذلك شجاعة ورجولة. فإن الفضل في الصفح الجميل.
الفصل الثاني
| رذيلة الحقد
هو فيما يرى الغزالي وليد الغضب، فإن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال، رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا، ومعنى الحقد - كما نص على ذلك - أن يلزم المرء قلبه استثقال المغضوب عليه، والبغضة له، والنفور منه، وأن يدوم ذلك ويبقى.
وللحقد ما يأتي من النتائج: (1)
الحسد، وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عن عدوك، فتغتم للنعمة تصيبه، وتسر للمصيبة تنزل به. (2)
أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتظهر الشماتة بما أصابه من البلاء. (3)
أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك. (4)
أن تعرض عنه استصغارا له. (5)
أن تتكلم فيه بما لا يحل: من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر. (6)
أن تحاكيه استهزاء به، وسخرية منه. (7)
أن تؤذيه بضرب أو شبهة مما يؤلم بدنه. (8)
أن تمنعه حقه: من قضاء دين، أو صلة رحم، أو رد مظلمة.
قال الغزالي: «وكل ذلك حرام. وأقل درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما يعصى به الله، ولكن تستثقله في الباطن. ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به عن البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته، أو الدعاء له، والثناء عليه، والتحريض على بره ومواساته. فهذا كله مما ينقص درجتك في الدين، وإن كان لا يعرضك لعقاب».
1
وللحقود عند القدرة ثلاثة أحوال؛ الأولى: استيفاء الحق من غير زيادة ولا نقصان وهو العدل، والثانية: الإحسان بالعفو والصلة وهو الفضل، والثالثة: الظلم، وهو المنهي عنه.
الفصل الثالث
| رذيلة الحسد
هو إحدى نتائج الحقد، وله فيما يرى الغزالي أربع مراتب:
الأولى:
أن يحب المرء زوال النعمة عن غيره، وإن كانت لا تنتقل إليه وهذا غاية الخبث.
الثانية:
أن يحب زوالها إليه؛ لرغبته في مثل تلك النعمة، كأن يرى عند غيره امرأة جميلة ويحب أن تكون له، فمطلوبه تلك النعمة لا زوالها، ومكروهه فقدها لا تنعم غيره بها.
الثالثة:
أن لا يشتهي عينها لنفسه، بل يشتهي مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها، كي لا يظهر التفاوت بينهما.
الرابعة:
أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم تحصل لا يحب زوالها عنه، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين.
والرتبة الأولى مذمومة، وتسمية الثانية حسدا تجوز، فإنما هي تمني ما للغير، وهو أيضا مذموم لقوله تعالى:
ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض
1
والثالثة أخف من الأولى.