تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها

ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه، والواحد منا لا يعرف سبب الرزق يتناوله من أين يحصل له، فلا يصح تكليفه. فتأمل».

وقد تأملنا كثيرا، فلم نر هذه الحجج إلا خيالا في خيال!

الثالثة

أراد الغزالي أن يحض على التوكل فأمر بملاحظة الجنين كيف وصلت سرته بسرة الأم لينتهي إليه الغذاء لما كان عاجزا عن الحركة والاضطراب، فلما انفصل سلط الله على الأم الحب لترضعه وهي راغمة، وأدر له اللبن اللطيف، إذ كان مزاجه لا يحتمل الغذاء الكثيف. وانتقل الغزالي من هذا إلى بيان أن الكبير قد كثرت أسباب الرفق به، فبعد أن كان المشفق واحدا هو الأم أو الأب، أصبح أهل البلدة كافة يشفقون عليه. ثم أخذ يبين كيف ينتفع اليتيم بشفقة المسلمين، إلى آخر ما قال.

وهذه الحجة على الغزالي لا له، فإنه إذا كان الله وصل سرة الجنين بسرة أمه لضعفه عن الحركة، وأدر عليه اللبن لعجزه عن المضغ، وسلط على أمه الحب لعجزه عن السعي، فلماذا منحه القوة إذن، إذا كان لم يشأ أن يستغني بها عن الناس؟

فأما ما قاله من أن كل واحد من أهل البلد إذا أحس بمحتاج تألم قلبه، ورق عليه، وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته، فهي أمنية شعرية، وليته ذكر أن العرب هموا بترك دينهم ليخلصوا من الزكاة!

الفصل الخامس

| فضيلة الإخلاص

ابتدأ الغزالي كلامه عن هذه الفضيلة بقوله تعالى:

وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين

1

ثم ذكر جملة من الأحاديث والأخبار. ثم قرر بعد ذلك أن كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قل أم كثر، إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه. ثم بين أنه قلما يخلو فعل من أفعال المرء وعبادة من عباداته، عن حظوظ وأغراض عاجلة. وإن العمل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله.

ومقياس الإخلاص فيما يرى الغزالي هو أن يشعر المرء بارتياح حين يجد غيره يعمل عملا كان يريد أن يقوم به. نعرف هذا من قوله:

وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة هم العلماء. فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء، والفرح بالأتباع. والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله. وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين. ويفرح بقبول الناس قوله، وإقبالهم عليه، وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين. ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه هذا المهم بغيره. ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لانصراف وجوه الناس إلى غيرك. إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب واغتمامك لفوات الثواب محمود. ولا يدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا وأعود إليه في الآخرة.

وقد انحصر الإخلاص عنده في الأمور الدينية، لغلبة هذه الأمور عليه، ولو كان الغزالي من الذين باشروا الحركات العامة، ووقفوا على الشئون الاجتماعية. لذكر لنا ضروبا من الإخلاص في نهوض الأفراد بأممهم. وبين لنا كيف يتطرق الغرض إلى الأعمال الاجتماعية، وكيف تشقى الشعوب بأصحاب الأغراض، فليس الإخلاص وقفا على الصلاة والزكاة والحج والصيام، بل الإخلاص فيما بين الرجل وبين أمته، أوجب من الإخلاص فيما بينه وبين ربه، لأنه حين يحرم الإخلاص في العبادة لا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين. ولكنه حين يحرم الإخلاص فيما يعمل لأمته يشقى بسوء غرضه ملايين من النفوس، ثم يصبح وهو منبوذ مهين. ولكن أكثر الناس لا يعلمون!

الباب الثامن

| في توقي الرذائل

| تمهيد

لم يضع الغزالي للرذيلة تعريفا يخصها بالذات، وإنما هي عنده إفراط من الفضيلة أو تفريط. وهو يرى أن الإفراط في قوة العلم ينشأ عنه المكر والحقد والخداع والدهاء، وأن التفريط فيها يصدر عنه البله، والغمارة، والحمق، والجنون، وينشأ من الإفراط في الشجاعة والتهور وما إليه من الجسارة، والتبجح، والاستشاطة والتكبر والعجب والبذخ. ويصدر من التفريط فيها الجبن، والهلع، والمهانة، وصغر النفس، والنكول. وأما الرذائل الصادرة من الإفراط أو التفريط في العفة فهي: الشره، وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، والتقتير، والرياء، والتهتك والمجانة، والعبث والشكاسة، والملق والحسد والشماتة ... إلخ.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦١