تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى القارئ الأحوال التي يحمد فيها عنده ترك التداوي: (1)

أن يكون المريض من المكاشفين، وقد كوشف بأن أجله انتهى، وأن الدواء لا ينفعه! (2)

أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته. (3)

أن تكون العلة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به موهوم النفع بالنسبة لعلته. (4)

أن يقصد بترك التداوي استبقاء المرض لينال أجر الصابرين، أو ليمرن نفسه على الصبر الجميل! (5)

أن يكون قد سبق له كثير من الذنوب، ويرى المرض تكفيرا إذا طال، وكان قد عجز عن التكفير! (6)

أن يستشعر في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفا من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان.

ويحسن أن نلفت النظر إلى أن هذه أسباب ضعيفة، لا تقتضي ترك الدواء، وهي في الوقت نفسه تدل على مبلغ حرص الغزالي على نزعته الصوفية، فمن الواضح أن إيثار المرض في سبيل الفرار من آفات العافية، إنما هو عمل سلبي قليل الغناء. وماذا يضرنا لو حاربنا المرض، ثم رجعنا بعد ذلك إلى حرب ما للصحة من الآفات، لنخرج رجالا صحاح الجوارح والقلوب؟

والغزالي فوق ما سلف يفضل كتمان المرض، ولا يجيز إظهاره إلا في الأحوال الآتية: (1)

أن يكون الغرض التداوي، فيذكر المرض للطبيب، لا في معرض الشكاية، بل في معرض الحكاية. (2)

أن يوصف المرض لمن يرجى من الدعوة إلى الصبر. (3)

أن يقصد بإظهار المرض إظهار العجز والافتقار إلى الله.

قال الغزالي: «فبهذه النيات يرخص في ذكر المرض، وإنما يشترط ذلك لأن ذكره شكاية والشكوى من الله حرام. ويصير الإظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل الله. فإن خلا عن قرينة السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ولكن يحكم فيه بأن الأولى تركه. لأنه ربما يوهم الشكاية، ولأنه ربما يكون فيه تصنع ومزيد في الوصف على الموجود من العلة. ومن ترك التداوي توكلا فلا وجه في حقه للإظهار، لأن الاستراحة إلى الدواء أفضل من الاستراحة إلى الإفشاء».

وهذه الكلمة الأخيرة غاية في الحكمة والسداد.

ملاحظات ثلاث

الأولى

جاء في ص292 ج4 إحياء ما نصه: «فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ؟ فأقول: المتوكل لا يخلو بيته عن متاع كقصعة يأكل منها وكوز يشرب منه وإناء يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده، وعصا يدفع بها عدوه، وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت. وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادخاره على هذه النية مبطلا لتوكله. وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه والجراب الذي فيه زاده، وإنما ذلك في المأكول وفي كل مال زائد على قدر الضرورة. لأن سنة الله جارية بوصول الخير إلى الفقراء والمتوكلين في زوايا المسجد. وما جرت السنة بتفريق الكيزان والأمتعة في كل يوم وفي كل أسبوع».

وهذه الفقرة تدل واضح الدلالة على أن التوكل هذا نزعة صوفية، وقد وضع الغزالي مقياسا لتقدير الأعمال هو العقل والشرع، وما أحسبه يستطيع أن يثبت أن آية

وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين

4

خاصة بهذا الصنف من الناس، بل التوكل المأمور به في القرآن هو الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، والإيمان بأنه لا يضيع أجر العاملين.

الثانية

جاء في المنهاج ص80 ما نصه: «فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ما؟ فاعلم أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء والقوام لا يمكننا طلبه إذ هو شيء من فعل الله سبحانه للعبد كالحياة والموت لا يقدر العبد على تحصيله ولا على دفعه (؟!) فإن قيل: لكن لهذا الرزق المضمون أسباب، فهل يلزمنا طلب الأسباب؟ قيل له لا يلزمك، إذ لا حاجة للعبد إليه إذ الله سبحانه يفعل بسبب وبغير سبب. فمن أين يلزمنا طلب السبب، ثم إن الله تعالى ضمن لك ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب، قال الله تعالى:

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦٠