تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آداب المتوكلين

وضع الغزالي الآداب الآتية للمتوكل حين يخرج من بيته: (1)

أن يغلق الباب، ولا يستقصي في أسباب الحفظ، كالتماسه من الجيران الحفظ مع الغلق، وكجمعه أغلاقا كثيرة! (2)

أن لا يترك في البيت متاعا يحرص عليه السراق! (3)

ما يضطر إلى تركه في البيت، ينبغي أن ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي الله فيه من تسليط سارق عليه! (4)

إذا عاد فوجد المال مسروقا فينبغي أن لا يحزن، بل يفرح إذا أمكنه! (5)

أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ. فإن فعل بطل توكله، ودل على تأسفه على ما فات! (6)

أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله، ويشكر الله إذ جعله مظلوما ولم يجعله ظالما!

وما أدري ما الذي أنسى الغزالي أن يحض المتوكل على أن يترك باب البيت مفتوحا، وأن يعلق عليه لوحة مكتوبا فيها بخط واضح جميل: من أراد أن يأخذ شيئا من هذا البيت فهو مغفور الذنوب، بل مجزي بما مكن صاحبه من صنع المعروف!!

وليس من التوكل بالطبع أن يتعقب المرء الجناة، لينالوا على يد الوالي جزاء ما قدمت أيديهم. بل التوكل هو أن لا يبالغ المرء في أسباب الحفظ، وأن يوطن النفس على ما يسرق من متاعه، وأن لا يحزن بل يفرح حين يسرق، وأن يغتم لأن هذا السارق المسكين عصى الله وتعرض لعذابه، وأن يشكر الله على أن جعله من المظلومين، ولم يجعله من الظالمين.

وأظرف ما في هذا الباب دعوة الغزالي إلى أن يجعل الرجل ما سرق منه ذخيرة له في الآخرة، وإن أعيد إليه فالأولى أن لا يقبله!

توكل الخائف

يقرر الغزالي أن الضرر قد يعرض للخوف في النفس والمال. أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة، أو في مجاري السيل من الوادي، أو تحت الجدار المائل، أو السقف المنكسر، وكل ذلك فيما يرى منهي عنه، لأنه تعريض للهلاك بلا فائدة.

وجملة القول أن أسباب الخوف إما مقطوع بها أو مظنونة أو موهومة، وترك الموهوم هو شرط التوكل، فالمبالغة في الاحتياط تبعد المرء عن مقام المتوكلين؟

وهنا لا نرى بأسا من تحقيق مسألة أخطأ فيها الغزالي، فقد عد من الأسباب الموهمة الكي، وذكر أن رسول الله لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة. ولو صح رأيه فيما استشهد به لكان للرقية والطيرة فائدة موهومة، مع أنه يستحيل أن يرى رسول الله قيمة لهذه الأسباب، وإنما يريد أن يضيف المكتوين والمتطيرين والراقين إلى جملة الموسوسين.

ولو كان الكي فائدة موهومة لما عد تركه من التوكل، وهو يتعلق مباشرة بالصحة. وإنما نهى عنه الرسول لأن ضره كثير ومحقق ونفعه قليل بل موهوم. وفوق هذا يجب أن نلاحظ أن الأسباب الموهومة لم يكن تركها شرطا في التوكل إلا لأن في تركها تعويدا على المخاطرة، وهي من صفات الأحياء، فإذا اختلفت الظروف، وكانت رعاية الأسباب الموهومة نوعا من الحيطة، فإني لا أفهم كيف تحرم المرء من المقام المحمود!

وإذا خاف الإنسان على ماله فله أن يغلق بيته، وأن يعقل بعيره، لأن هذه أسباب عرفت بسنة الله إما قطعا وإما ظنا، فلا ينقض بها التوكل، كما لا ينقض بدفع العقارب والحيات والسباع، لأن الصبر على هذه جنون.

توكل المريض

يقسم الغزالي الأسباب المزيلة للمرض إلى مقطوع به، ومظنون، وموهوم، ويقرر أن ترك المقطوع به ليس من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت. وكان عليه أن يتنبه إلى أن المرض متى وجد فالموت مخوف في كل حال، لأن للمرض طفولة وحداثة وفتوة، فإن ترك وهو ناشئ أمسى وهو قوي متين، بل يجب حرب جراثيم المرض، لأنها تبيض وتفرخ، ثم تصبح أعداء الداء. فأما الموهوم فشرط التوكل تركه. وقد بينا ما تختلف عليه هذه الحال. وأما المظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل، وما إلى ذلك من الأسباب الظاهرة عند الأطباء، فليس تركه من التوكل، كما أن تركه ليس محظورا كالمقطوع به، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص. وهذا ما لا نوافق عليه الغزالي، لأنا لا نفهم كيف يكون الحرص على الصحة مما يفضل إغفاله في بعض الأحيان.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٥٩