3
وإذا كان الاحتيال لكسب المباح مما ينافي التوكل، فقد انهدم أعظم ركن في بناء الممالك والشعوب. والغزالي يردد النفرة من الحيلة لكسب الرزق، وقد لاحظنا ذلك عليه حين تكلم عما يجمل بالتاجر من أن لا يكون أول داخل في السوق ولا آخر خارج منه.
ونرى الحاجة ماسة إلى أن ننبه إلى أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ صراح، وليس علينا من حرج إذا رأينا الغزالي من الخاطئين، وما نريد أن نزيد!
مقامات المتوكلين
وللمتوكل مقامات ثلاثة:
الأول:
مقام من يترك الزاد وهو يدور في الوادي، وإنما كان هذا أفضل فيما يرى الغزالي لأن فيه تثبيتا على الرضا بالموت!
الثاني:
مقام من يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار. وهذا أضعف من الأول كما يقول.
والثالث:
من يخرج للكسب على الوجه الذي ارتضاه حين تكلم عن آداب الكسب، وهو أن لا يقصد به الاستثكار، ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته، وعجيب والله أن يكون الكسب أدنى درجات المتوكلين.
توكل المعيل
غير أن الغزالي يخص تلك الحالة الشديدة بالمنفرد، وقد قدمنا أن يرضى له الاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق.
أما المعيل صاحب الأولاد فإنه لا يجوز له المقام الثالث، وهو توكل المكتسب، كتوكل أبي بكر رضي الله عنه إذ خرج للكسب «فأما دخول البراري وترك العيال توكلا في حقهم، أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم، فهذا حرام. وقد يقضي إلى هلاكهم، ويكون هو مؤاخذا بهم. بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله. فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكل في حقهم. وهذه مجازفة من الغزالي: إذ يرضى أن يعود الرجل أبناءه على الجوع، وأن يمرنهم على الاعتداد بالموت جوعا في سبيل الآخرة، وقد يكونون لم يبلغوا سن التكليف.
يقول الغزالي: «وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب، بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة، والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا، وملازمة البلاد والأمصار وملازمة البوادي التي لا تخلو عن الحشيش وما يجري مجراه. فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى ... إلخ»؟
ونكرر ما لاحظناه من أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ مبين، فإنه يجر القادر على الطلب إلى الرضا بالسؤال، وانتظار المصادفات، والترحيب بالموت، مع أن قطع أسبابه من أول ما يعنى به بناة الأخلاق.
الادخار
ورأي الغزالي في الادخار عجيب، إذ أفضل الحالات عنده لمن حصل على مال بإرث أو كسب أو أي سبب من الأسباب أن يأخذ قدر حاجته في الوقت: فيأكل إن كان جائعا، ويلبس إن كان عاريا، ويشتري سكنا مختصرا إن كان محتاجا، ويفرق الباقي في الحال. ولا يأخذ، ولا يدخر، إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه، فيدخره على هذه النية!
والذي يدخر لسنة ليس من المتوكلين أصلا كما يقول!
والذي يدخر لأربعين يوما فما دونها يحرم من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين.
ونحب أن يتأمل القارئ هذا الرأي في الاقتصاد، فقد أكثر المؤرخون من لوم العرب على إهمال هذا العلم، وعدوا الجهل به سببا لسقوط المملكة العربية، مع أنها كانت تسيطر على أخصب بلاد العالم كمصر والعراق. ولكن كيف يحترم هذا العلم في أمة يقول إمام الأئمة فيها: إن ادخار المال لأربعين يوما يحرم المرء من المقام المحمود؟
وقد تفضل الغزالي فأباح للمعيل أن يدخر قوت عياله لسنة؟!
وتفضل كذلك فأجاز للرجل أن يدخر الكوز وأثاث البيت؟!
والفرق عنده بين الكوز وغيره، أن سنة الله لم تجر بتكرر الأواني مع الحاجة إليها في كل وقت، ولكن جرت سنته بتكرار الأرزاق في كل سنة. وكان عليه أن يعرف أن الرزق إنما يتجدد في كل سنة، لمن يملك من المزارع والمتاجر ما يتجدد ريعه في كل سنة. فيا عجبا كيف يجيز التوكل إتلاف رأس المال!