والتوكل في هذا المقام - كما نص الغزالي - لا يكون بالعمل، بل بالعلم، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لك ترك الأسباب، وإنما تعلم أن الله هو مسبب الأسباب.
والثانية:
الأسباب التي ليست متيقنة، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها، وكان احتمال حصولها دونها بعيدا، كمن يترك الأمصار والقوافل، ويسافر في البوادي التي يندر أن يطرقها الناس، ويكون سفره من غير زاد، فهو ليس شرطا في التوكل، بل استصحاب الزاد سنة الأولين، ولا يزول التوكل به.
وقد أسرف الغزالي حين تحدث عن هذا الموقف في المنهاج، وانظر ماذا يقول: «فإن قلت: فهل تدخل البادية بلا زاد؟ فأقول: إن كان لك قوة قلب بالله تعالى واثقة بالغة بوعد الله سبحانه وتعالى، فادخل، وإلا كن كالعوام بعلائقهم.» ص82.
ولو أننا رجعنا إلى ما وضعه من آداب المسافر لعلمنا أنه احتاط هناك، فحث المسافر على أن يأخذ حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ قدرا يوسع به على رفقائه، فكيف يصبح المسافر بزاده في البادية من العوام؟ ومن عسى أن يكون هؤلاء العوام المؤدبون؟
وقد توقع الغزالي أن يسأل عن حمل رسول الله وأصحابه للزاد، ولكنه تفضل فأجاب بأن ذلك مباح غير حرام! ثم توقع أن يسأل: هل ترك الزاد أولى أم أخذه لمن قوي يقينه؟ وأجاب في المنهاج بأن الترك أفضل، وأنا لا أعلم لهذا الفضل أساسا غير التنسك الذي ينكره العقل، ويأباه الدين!
ولم يفت الغزالي أن يذكر أن هذه المجازفة قد تكون إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، فأجاب بأن شرطها أولا رياضة النفس حتى تحتمل الجوع أسبوعا أو ما يقاربه، وثانيا أن يكون المتوكل بحيث يقوى على التقوت بالحشيش، وما يتفق من الأشياء الخسيسة، إذ لا يخلو الأمر من أن يجد آدميا في بحر الأسبوع أو ينتهي إلى محلة، أو قرية، أو إلى حشيش يجتزئ به!
وأحب أن يذكر القارئ هذه الصورة الغريبة، فإن الغزالي يدعو إليها جمهور المسلمين!
وانظر كيف يقول: «فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب. أهو حرام أو مباح أو مندوب؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه، فهذا كيف كان لم يكن مهلكا لنفسه حتى يكون فعله حراما. بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، ولكن قد يتأخر عنه، والصبر ممكن إلى أن يتفق. ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه، ففعله ذلك حرام. وإن فتح باب البيت وهو غير مشغول بعبادة، فالكسب والخروج أولى له. ولكن ليس فعله حراما إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب. وإن كان مشغول القلب بالله غير مشرف إلى الناس، ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه، بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل».
وما أدري كيف يتفق هذا مع قوله في نفس الصفحة: فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة، وجهل بسنة الله تعالى؟ إلا أن يكون السؤال من الأسباب، وهو سبب مهين!
وأحب أيضا أن يذكر القارئ هذا التناقض في الجمع بين التوكل وبين السؤال! وكيف تقوم لأمة قائمة وهي تربى على هذه الأخلاق!
ثم ما هو الفرق بين من يترك الطعام عند وجوده، وبين من يدخل البادية بلا زاد؟ لا فرق إلا أن الثاني قد يجد من يتصدق عليه، أو يجد حشيشا يقتات به! ولو ذكر الغزالي أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الله كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات، لما اختار لامرئ هذا الحظ الخسيس، ولما وضع هؤلاء المشردين في طبقة المتوكلين.
والدرجة الثالثة:
ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه. يقول الغزالي: «وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها، وهو الذي فيه الناس كلهم، أعني من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح».