فالرجل الخير فيما يرى الغزالي هو الذي لا يعرف غير الواجب ولا يهمه أقبل الناس عليه، أم أعرضوا عنه، لأنه بالواجب مشغول.
الفصل الرابع
| فضيلة التوكل
كتب الغزالي عن التوكل أربعا وخمسين صفحة في الإحياء وثلاث عشرة صفحة في كتاب الأربعين، وسبعا وعشرين صفحة في منهاج العابدين. وهو يبالغ في المنهاج أكثر مما يفعل في الأربعين والإحياء، فإن كلامه في الكتابين الأخيرين واحد، وإن اختلف في الإيجاز والإطناب، وكثيرا ما يحيل في الأربعين على الإحياء.
وأول ما نلاحظه أن الغزالي اهتم بهذه الفضيلة، حتى احتاج إلى أن يعتذر عن تطويله في كتاب المنهاج، إذ كان التطويل يخالف شرط ذلك الكتاب. وهذا الاهتمام نفسه يوضح لنا جانبا من أهم الجوانب في فهمه للحياة.
ونقرر منذ الآن أن ما كتبه عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع العلائق مع الناس، والتدرج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق!
ونحن نعلم أن العلماء يجب أن يضربوا الأمثال بأنفسهم للناس كما فعل عمر حين خرج بعد الخلافة يتجر في الأسواق، ولكن الغزالي يقول: «فالاهتمام
1
بالرزق قبيح بذوي الدين، وهو بالعلماء أقبح، لأن شرطهم القناعة. والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه، فذلك له وجه لائق العالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل، ولم يكن له سير بالباطن، فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن، فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى، فإنه تفرغ لله عز وجل، وإعانة للمعطي على نيل الثواب.» ص286 ج4.
ولو أنه دعا الحكومات إلى الأخذ بيد العلماء، وإغنائهم عن السعي إلى الرزق لتنحصر جهودهم في نشر العلم، لكان له قسط من الصواب. أما زعمه أن الكسب يمنع من السير بالفكر الباطن، وأن الأولى للعالم أن يكتفي بما يعطيه الناس ليعينهم على نيل الثواب، فهو رأي يهوي بصاحبه إلى الحضيض، ولا يتناسب مع مكانة العلماء.
كراهة السؤال
مع أن الغزالي يبيح للعالم السؤال ليعين المعطي على نيل الثواب، فإنا نجده في مكان آخر يقرر أن السؤال حرام في الأصل وإنما يباح لضرورة، أو حاجة قريبة من الضرورة، لأن في السؤال إظهار الشكوى من الله بإظهار الفقر، ولأن السائل يذل نفسه بسؤاله، وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله، ولأنه يؤذي المسئول: فقد لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب. فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ.
ويمكن الحكم بأن الغزالي يحتاط أبلغ احتياط في إباحة السؤال، ولكن يبقى أنه من إهانة العلم والدين أن يقبل المرء بكليته على العبادة أملا في أن يطعمه سواه، فإنه لا يعقل أن تكون نوافل العبادات مما يترك في سبيله طلب المعاش، حتى يباح لأجلها السؤال.
2
حكم الكسب
والغزالي مع هذا لا يرى الكسب منافيا للتوكل في كل حال، فمن الخطأ فيما يرى أن «يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، وكاللحم على الوضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف يقال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين؟» وقد بين أن الإنسان في سعيه إلى مقاصده إما أن يكون لجلب نافع هو مفقود عنده كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار، أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل والسارق، أو لإزالة ضار قد نزل به. كالتداوي من المرض.
والنافع باعتبار الأسباب التي يجلب بها ثلاث درجات: مقطوع به، ومظنون ظنا يوثق به، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه.
والأولى:
كالأسباب التي ارتبطت لها المسببات بتقدير الله ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف، كمن يرى الطعام موضوعا بين يديه وهو جائع. ثم لا يمد إليه يده، لأنه يرى السعي إلى تناوله ومضغه تفويتا للتوكل، وهذا فيما يرى الغزالي جنون «إنك إن انتظرت أن يخلق الله فيك شبعا دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك، أو يسخر ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله. وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله نباتا من غير بذر، أو تلد زوجتك من غير وقاع، فكل ذلك جنون».