تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

درجات الصابرين

وللإنسان بالنسبة للصبر ثلاثة أحوال:

الأولى:

أن يقهر داعي الهوى، فلا تبقى له قوة المنازعة، ويتوصل إلى هذه الحال بدوام الصبر.

الثانية:

أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين، وهي أسوأ الأحوال.

الثالثة:

أن تكون الحرب سجالا بين الهدى والضلال.

حكم الصبر

ويقسم الصبر باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرم؛ فالصبر عن المحظورات فرض، وعن المكروهات نفل، والصبر على الأذى المحظور محظور، كمن تقطع يده أو يد ولده فيسكت ويصبر، وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته، فيصبر عن إظهار الغيرة، ويسكت على ما يجري على أهله. فهذا الصبر محرم. والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع، كنظر الأجنبي الى امرأته.

ضرورة الصبر

ويرى الغزالي أن المرء محتاج إلى الصبر في كل حال: فهو يحتاج إليه في السراء، كما يحتاج إليه في الضراء. بل هو إليه في السراء أحوج، فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية. والصبر هنا يكون بأن يراعي المرء حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصدق.

والطاعة تحتاج إلى صبر، لأن النفس بطبعها تنفر من العبودية. وللصبر على الطاعة ثلاث أحوال: الأولى قبل الطاعة، وذلك تصحيح النية والإخلاص، والصبر على شوائب الرياء، والعزم على الإخلاص والوفاء. والثانية حالة العمل، كي لا يفتر قبل الفراغ منه. والثالثة بعد انتهائه إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به، والنظر إليه بعين العجب.

ويحتاج المرء إلى الصبر عن المعاصي، وعلى الأخص التي صارت مألوفة بالعادة، إذن تنضاف العادة إلى الشهوة. ثم إن كانت المعصية مما يسهل فعله كان الصبر عنها أثقل على النفس، كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء، والثناء على النفس تعريضا وتصريحا، والمزح المؤذي للقلوب.

والصبر على أذى الناس فضيلة، وأعظم منه الصبر على أنواع البلاء: كموت الأعزة، وهلاك الأموال، وزوال الصحة.

ويرى الغزالي أن توجع القلب، وبكاء العين لا ينافي الصبر، لأن ذلك مقتضى البشرية، ولا يفارق الإنسان إلى الموت.

والذي كفى جميع الشهوات واعتزل الناس لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد. ويريد الغزالي بهذا أن يؤكد احتياج المرء إلى الصبر في جميع الأحوال والأفعال.

تحصيل الصبر

ويمكن تحصيل الصبر بإضعاف باعث الشهوة، وتقوية باعث الدين. ويضعف باعث الشهوة بتقليل مادته من حيث النوع والكثرة، أو قطع أسبابه، أو تسلية النفس بمباح من جنس ما يشتهيه. ويقوى باعث الدين بأمرين؛ الأول: إطماعه في فوائد المجاهدة بالتفكر في الأخبار الوارددة عن الصبر وعواقبه. والثاني: أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى حتى يمرن على جهاده ومقاومته.

الفصل الثالث

| فضيلة الخمول

الغزالي يسمي الخمول فضيلة، ويخيل إلي أنه لا فضل فيه!! ولكن تسمية الغزالي هذه تدلنا عن شيء خاص يوضح رأيه في الأخلاق: ذلك أنه حين دعا إلى الخمول لم يدع إلى التجرد من الخصائص الذاتية التي توجب ذيوع الشهرة وبعد الصيت، وقد خص الشهرة المذمومة بما يأتي من طريق التكلف. وهو لا ينكر أن يشتهر المرء بعمله في غير جلبة ولا ضوضاء.

وقد نبه بلطف إلى أن حسن السمعة قد يفسد المعلمين بنوع خاص، فقد يعود المعلم على كثرة الطلبة، فيفتر نشاطه حين يقلون. وفي هذا المعنى يذكر عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام. ولم ينس الغزالي أن التجمهر حول الأمراء فتنة لهم، وذلة لتابعيهم، فذكر في هذا المعنى كلمة جامعة لعمر بن الخطاب.

ويقول الغزالي: «فإن قلت فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء، فكيف فاتتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء، دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم، فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم، فيهلك معهم. وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فيحييهم ويثاب على ذلك».

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٥٥