الأول:
صدق القول. وهو أشهر أنواع الصدق ولا يجوز العدول عنه إلا لمصلحة. كتأديب الصبيان والنساء ومن يجري مجراهم. وفي الحذر من الظلمة، وفي قتال الأعداء، والاحتراز من اطلاعهم على أسرار الملك. قال الغزالي: «فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه لله فيما يأمره الحق به، ويقتضيه الدين. فإذا نطق به فهو صادق، وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه. لأن الصدق ما أريد لذاته، بل للدلالة على الحق والدعاء إليه. فلا ينظر إلى صورته، بل إلى معناه. نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليها سبيلا. فقد كان رسول الله إذا توجه إلى سفر ورى بغيره كيلا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد. وليس هذا من الكذب في شيء. قال رسول الله: «ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ونمى خيرا.» ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع: «من أصلح بين اثنين. ومن كان له زوجتان. ومن كان في مصالح الحرب. والصدق ههنا يتحول إلى النية، فلا يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير».
الثاني:
صدق النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله.
الثالث:
صدق العزم. فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل، فيقول: إن رزقني الله مالا تصدقت بجميعه، أو شطره، فهذه العزيمة قد يصادفها في نفسه وهي جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، فالصدق هنا عبارة عن التمام والقوة.
الرابع:
صدق الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذ لا مشقة في الوعد والعزم، فإذا حقت الحقائق، وحصل التمكن، وهاجت الشهوات، انحلت العزيمة، ولم يحصل الوفاء بالعزم، وهذا يضاد الصدق فيه.
الخامس:
صدق الأعمال، وهو أن تكون أعمال المرء الظاهرة صورة لحالته الباطنة. بخلاف أعمال الرياء.
السادس:
الصدق في مقامات الدين، كالصدق في الخوف والرجاء والزهد والرضا والتوكل والحب، لأن أمثال هذه الأمور مبادئ يطلق بظهورها الاسم، ثم لها حقائق، والصادق من نال الحقائق ... وفي هذا المعنى شيء من الغموض.
الفصل الثاني
| فضيلة الصبر
يرى سقراط أن الفضيلة أساسها العلم، فمتى علم الإنسان الخير فعله، ومتى عرف الشر تركه. ويقرب رأي الغزالي من هذا في أساس الصبر، إلا أنه يشترط أن تصل المعرفة إلى اليقين حتى تثمر الصبر وإليك قوله في هذا المعنى: «ترك الأعمال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى الصبر، وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة. وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضادتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة. فإذا قوي يقينه، أعني المعرفة التي تسمى إيمانا، وهو اليقين بكون الشهوة عدوا قاطعا لطريق الله تعالى قوي باعث الدين، وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة.
1
وقال في موطن آخر: «والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين أن المعصية ضارة، والطاعة نافعة، ولا يمكن ترك المعصية، والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر، وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى.»
2
ويذكر أميل بوراك في كتابه:
Cours Elémentaires de philosophie
ص343 أن العلم لا يكفي أساسا للفضيلة، فمعرفة الواجب لا تكفي للقيام به. بل لا بد من حبه وإرادته إرادة حرة ثابتة. وهذا التقييد يساوي ما اشترط الغزالي من اليقين، لأن المرء متى تيقن نفع شيء أحبه أو كاد يحبه. ويرى الدكتور منصور فهمي والأستاذ عبده خير الدين أن المعرفة التي يراها سقراط أساس الفضيلة لا بد أن تكون المعرفة الجازمة التي تورث الإرادة ثم التنفيذ. وإذن فلا اعتراض على سقراط.
أسماء الصبر
ويقرر الغزالي أن الصبر تختلف أسماؤه باختلاف ما يصبر المرء عنه، فهو جماع كثير من الفضائل، أو هو نصف الايمان. فإن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة. وإن كان في احتمال مكروه سمي صبرا، وضده الجزع. وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس، وضده البطر. وإن كان في الحرب سمي شجاعة، وضده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمي حلما، وضده التذمر. وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر وضده الضجر. وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان السر. وإن كان عن فضول سمي زهدا، وضده الحرص. وإن كان صبرا على يسير من الحظوظ سمي قناعة، وضده الشره.