1
وقد لحظ الغزالي أن في هذه الفروع شيئا من الغموض، فكتب في شرحها ثلاثة فصول مطولة في الميزان، وبين معها كذلك ما ينشأ من الإفراط والتفريط، من أنواع الرذائل، وسنرجع إليها في غير هذا الباب.
الفضائل السلبية
في مقدورنا أن نقسم الفضائل إلى إيجابية وسلبية: فالأمل فضيلة إيجابية، لأنه يحمل صاحبه على العمل في سبيل الحياة. والزهد فضيلة سلبية، لأنه يرضي صاحبه بما قد يكون عليه من سوء الحال.
وبعد أن نفهم هذا ننظر في الفضائل التي عني بدرسها الغزالي، فنجدها في الأغلب فضائل سلبية: من ذلك فضيلة الفقر، وفضيلة الزهد، وفضيلة التوكل، وفضيلة الخوف، وفضيلة الخمول، وفضيلة التواضع، وفضيلة الجوع.
ولم يعن الغزالي بشرح الفضائل الإيجابية: كالشجاعة، والإقدام، والحرص، وما إلى ذلك مما يحمل المرء على حفظ ما يملك، والسعي لنيل ما لا يجد. فإنه لا يكفي أن يسلم الرجل من الآفات النفسية، بل يجب أن يزود بكل مقومات الحياة. وخير للمرء أن يوصم برذائل القوة من أن يتخلى بفضائل الضعف. فإن الضعف شر كله، ولكن أكثر الناس لا يفقهون.
الفضائل الفردية
ويمكننا أن نقسم الفضائل إلى فردية واجتماعية، فالقناعة فضيلة فردية، لأنها تخص صاحبها بالذات. والأمانة فضيلة اجتماعية لأن المرء يحتاج إليها حين يعامل الناس.
والغزالي يعنى في الأغلب بالفضائل الفردية، حتى لتحسبه يكتب مؤلفاته لأفراد يعيشون في عزلة وانفراد. فلو أنك أردت أن تدخل في عالم السكون لوجدت لدى الغزالي من آداب الوحدة والعزلة ما يقنعك ويرضيك. ولكنك لو أردت أن تدخل في عالم السياسة لما وجدت لديه فكرة واحدة يمكن أن تكون نبراسا يهتدي به الساسة من الوزراء والسفراء.
درجات الأخلاق
وبعد معرفة أمهات الفضائل وما لها من الفروع، يخطر بالبال هذا السؤال: هل يرى الغزالي أن في مقدور المرء أن يصل إلى أعلى درجات الأخلاق؟
ونجيب بأنه يرى ذلك في مقدور المرء، وانظر قوله:
وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم إليهم، ويقتدون به في جميع الأفعال. ومن انفك عن هذه الجملة كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد.
والدرجة العليا عنده هي درجة النبوة، والصوفية فيما يرى يقربون من هذه الدرجة، وإليك ما يقول عنهم في كتابه «المنقذ من الضلال»:
ولو جمعوا عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.
وأظن أننا هدمنا هذا الحكم من أساسه بما أسلفنا من نقد أحوال الصوفية، فإن ما استحسن الغزالي من أحوالهم لا يمكن أن يكون مقتبسا من نور مشكاة النبوة، وهل كانت النبوة يا هذا وساوس وأضاليل؟ تعالت النبوة عما تصفون!
أين مقياس العقل والشرع؟ هاته، هاته: فهو وحده فصل الخطاب!
الفصل الأول
| فضيلة الصدق
ابتدأ الغزالي الكلام على هذه الفضيلة بقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
1
وبقوله عليه السلام: «إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا.» ثم قال: ويكفي في فضيلة الصدق أن الله تعالى وصف الأنبياء به في معرض المدح والثناء فقال:
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . وقال:
واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا . وقال:
واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا .
مراتب الصدق
للصدق فيما يرى الغزالي ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين. فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق ، ومن صدق في شيء فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه.