تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يجمد الغزالي على هذه النظرية حتى يعترض عليه بأن من الفضائل ما لا وسط له، بل يقرر أن العدل ليس له طرفان: زيادة ونقص، بل له ضد واحد، ومقابل واحد: هو الجور.

ويأخذ عن أفلاطون نظرية المماثلة، أي مشابهة الله، فإن الله فيما يرى أفلاطون: هو الوحدة التي تجتمع فيها وتتصالح جميع كمالات المخلوقات. والرجل الفاضل عند أفلاطون هو الذي ينظر إلى الله بلا انقطاع كما ينظر الفنان إلى الأنموذج. والغزالي يقرر أن المرء يقرب من الله بقدر ما يقرب من رسول الله، ومعنى ذلك أن الرسول جمع مكارم الأخلاق، وقد حضنا على أن نتخلق بأخلاق الله، ما عدا الكبرياء. فمشابهة الرسول واحتذاؤه عند الغزالي تماثل تماما مشابهة الله عند أفلاطون.

وأخذ أيضا عن أفلاطون نظرية التوافق

Ľharmonie

ويسميها العدل. والتوافق عند أفلاطون هو تناسب القوى والملكات لتكمل في المرء جوانبه الخلقية. وإليك ما يقول الغزالي فيما يشابه هذا المعنى: «وكما أن حسن الصورة الظاهرة لا يتم مطلقا بحسن العينين دون الأنف والفم والخد، بل لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق، وهي: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة. وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث. أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبح في الأفعال. فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة. وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها في حد ما تقتضيه الحكمة. وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة، أعني إشارة العقل والشرع».

ويجب أن نتنبه إلى هذه الكلمة الأخيرة، وهي «إشارة العقل والشرع» فإن الغزالي يدمج فيها التوافق والمماثلة معا؛ أما المماثلة فهي في لفظ الشرع، وقد وضع لهذا أخلاق الرسول ممثلة في القرآن. وأما التوافق فهو لفظ العقل، إذ يرجع كل الملكات إلى طاعته. وانظر قوله «فالعقل مثاله الناصح المشير وقوة العدل هي القدرة، ومثالها مثال المنفذ الممضي. والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة، ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإرشاد».

والأمر كذلك في قوة العلم وقوة الشهوة. وقد نص في «الميزان» على أن العدل عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب واستشهد بالقول المأثور: بالعدل قامت الأرض والسموات، وهذا الترتيب الواجب خاضع للعقل بالطبع، وهذا ما يراد بنظرية التوافق.

أمهات الفضائل

أصول الفضائل فيما يرى الغزالي أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل. وقد نص على أنه يعني بالحكمة حالة للنفس بها يدري الصواب من الخطأ في جميع الأحوال الاختيارية. ويعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها على مقتضى الحكمة. ويعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها. ويعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع.

ولهذه الأصول فروع، كما يرى الغزالي، فمن اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير، وجودة الذهن، وثقاب الرأي، وإصابة الظن، والتفطن لدقائق الأعمال، وخفايا آفات النفوس.

وأما خلق الشجاعة فيصدر عنه: الكرم، والنجدة والشهامة، وكسر النفس، والاحتمال، والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والتودد.

وأما خلق العفة فيصدر عنه: السخاء، والحياء، والصبر، والمسامحة، والقناعة، والورع، واللطافة، والمساعدة، والظرف، وقلة الطمع.

وقد نص في «الميزان» على أن الحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدل عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب «فليس جزءا من الفضائل، بل هو عبارة عن جملة الفضائل».

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٥٢