وقد ذكر الأستاذ الدكتور علي العناني في محاضراته بالجامعة المصرية أنه يبعد أن يكون «المضنون به على غير أهله» هو ما بأيدي الناس، لأن هذا الكتيب الضعيف لا يدل على المعنى الذي قصده الغزالي من «المضنون به على غير أهله» ويرجح الدكتور العناني أن يكون «المضنون به على غير أهله» كتابا ضخما يشمل آراء الغزالي الفلسفية التي يضن بنشرها على الجمهور.
وعندي أن رأي الدكتور العناني صواب لأمرين: الأول أن الغزالي كان ينصح دائما بأن لا يلقى للعامة غير الكلام البسيط، فمن المعقول أن تكون له آراء خاصة تخالف ما في كتاب الإحياء، وأمثال كتاب الإحياء الثاني ما ذكره الزبيدي من أن كتاب «المضنون به على غير أهله» يشتمل على التصريح بقدم العالم ونفي علم القديم بالجزئيات، فإن هذه المسائل لا توجد في النسخة التي يتداولها الناس. وقد رجح جورجي زيدان في فهرس تاريخ «الآداب العربية» أن كتاب: «التبر المسبوك» مدسوس على الغزالي، وقد حاولت تحقيق ذلك ، فوجدت ما يقرب رأي جورجي زيدان وما يبعده. أما ما يقربه فهو إسقاط اسم من ترجمه من الفارسية. وظهور الكتاب بمظهر الضعف في كثير من الموضوعات، وأما ما يبعده فهو تقارب مادته من مؤلفات الغزالي الأخلاقية، وإحالته على الإحياء في كلامه عن رذيلة الغضب إلا أن يكون من دسه عليه غشى فعلته تلك بهذه القرائن الصناعية، التي توهم القارئ أن لا وضع ولا اختلاق. ومما لا مرية فيه أن مصنفات وضعت باسم الغزالي، فأما عددها فلا يزال مظنة الارتياب.
ولا يفوتنا في ختام هذا الباب أن نذكر القارئ بما لاحظناه فيما سلف من اختلاف آراء الغزالي في كتبه، باختلاف سنه وصحته. فقد وضع مؤلفاته في ظروف مختلفة، كان في بعضها يحكم العقل والشرع، وكان في بعضها يساير الصوفية في أوهامهم ووساوسهم. والرجل في الواقع معذور، فقد كان يؤلف في أوقات لا تصلح مطلقا للتأليف، لأنه يشترط في المؤلف ما يشترط في القاضي من الصحة وهدوء البال.
الباب الخامس
| في مباحث تمس الأخلاق
| تمهيد
نبين في هذا الباب قيمة العمل في ذاته، شر هو أم خير، حسن أم قبيح، ضار أم نافع. ثم نتكلم عن الإرادة، وعن الضمير، وعن الأغراض والنتائج، والوسائل والغايات. وسبيلنا في هذا الباب أن نجمل الآراء الفلسفية إجمالا لنبين بإزائها آراء الغزالي نوعا من البيان.
الفصل الأول
| الخير والشر
العمل الذي يجب أن يعمل، أو يحسن أن يعمل، هو الخير والعمل الذي يجب أن لا يعمل، أو ينبغي أن لا يعمل، هو الشر؛ فللخير درجات، وللشر درجات.
هذه لغة اليوم. أما الغزالي فكان تارة يسمي ما يجب أن يعمل واجبا، وما يحسن أن يعمل مستحبا، وما يجب أن لا يعمل حراما وما ينبغي أن لا يعمل مكروها وما عدا أولئك فهو مباح.
وكان تارة أخرى يقسم الأفعال إلى: حرام، وواجب، ومباح. أما الحرام فهو المقول فيه: اتركوه ولا تفعلوه. وأما الواجب فهو المقول فيه: افعلوه ولا تتركوه. وأما المباح فهو المقول فيه: إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه.
الحسن والقبيح
وربما قسم العمل إلى: حسن، وقبيح، ومباح، وإليك إجمال ما فصله في كتابه «المستصفى في الأصول».
هناك اصطلاحات ثلاثة مختلفة في إطلاق لفظ الحسن والقبيح:
الأول:
إن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض الفاعل، وإلى ما يخالفه، فالموافق يسمى حسنا، والمخالف يسمى قبيحا، والثالث يسمى عبثا.
الثاني:
الحسن ما حسنه الشرع بالثناء على فاعله. ويقول الغزالي: يكون المأمور به شرعا، ندبا كان أو إيجابا، حسنا، والمباح لا يكون حسنا.
الثالث:
الحسن ما لفاعله أن يفعله، فيكون المباح حسنا مع المأمورات.
والمقصود من هذه الاصطلاحات الثلاثة هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وهنا يجزم الغزالي بأن العمل لا يكون حسنا لذاته، ولا قبيحا لذاته، فيخالف المعتزلة الذين يقولون بأن من الأعمال ما يدرك حسنه بضرورة العقل، كإنقاذ الغرقى والهلكى. ومعرفة حسن الصدق، ومنها ما يدرك قبحه بضرورة العقل: كالكفران وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه.