تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحتج المعتزلة لذلك: بأننا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق، ومال إليه إن كان عاقلا، وليس ذلك إلا لحسنه. وإن القوي إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل إلى إنقاذه، وإن كان لا يعتقد أصل الدين فينتظر ثوابا، ولا يوافق ذلك غرضه، فقد يتعب به، بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره المرء إفشاء السر أو نقض العهد.

ويجيب الغزالي: بأنه لا ينكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة، ولكنه يصر على أن مستندها: إما التدين بالشرائع وإما الأغراض.

مثارات الغلط

ولكن الأغراض قد تدق، فلا يتنبه لها إلا المحققون، من أجل ذلك نبه على مثارات الغلط، وهي ثلاثة:

الأول:

إن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه، وإن كان يوافق غرض غيره. فإن كل طبع مشغوف بنفسه، فيقضي بالقبح مطلقا، وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء، فيكون قد قضى بأمور ثلاثة، هو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستقباح، ومخطئ في أمرين؛ أحدهما: إضافة القبح إلى ذاته، إذ غفل عن كونه قبيحا لمخالفته غرضه، والثاني: حكمه بالقبح مطلقا، ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عدم الالتفات إلى أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض.

الثاني:

ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال، إلا في حالة واحدة نادرة، قد لا يلتفت إليها الوهم، بل لا تخطر بالبال، فيراه مخالفا في جميع الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقا، لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه، وذهاب الحالة النادرة عن ذكره.

الثالث:

سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يرى مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا مقرون به مطلقا لا محالة، ومثاله نفرة من نهشته الحية من الحبل المبرقش اللون، لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس، ولذلك ينفر طبع الإنسان من المبيت في بيت فيه ميت، مع قطعه بأنه لا يتحرك، ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه.

نقض حجة المعتزلة

وبعد أن بين الغزالي هذه المثارات أخذ يناقش ما احتج به المعتزلة وهو يرى أن الإنقاذ إنما يترجح على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع، لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عنه وعن إنقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه ويعود فيقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم، فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه، فهو بعيد تصوره. ويبقى أمر آخر: هو طلب الثناء على إحسانه، فإن فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ، فقد يتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا. فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم، فقد يبقى في النفس ميل يضاهي نفرة طبع الملدوغ من الحبل المبرقش، وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فظن أن الثناء مقرون لها على كل حال، والمقرون باللذيذ لذيذ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه.

بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإنه يحس من نفسه بتفرقة بين ذلك المكان وغيره، إذا انتهى إليه. ولذلك قال الشاعر:

أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

وقال ابن الرومي:

وحبب أوطان الرجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرت لهم

عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

وكذلك إخفاء السر، وحفظ العهد. إنما تواصى بهما الناس لما فيهما من المصالح. فمن يحتمل في سبيلهما الضرر فإنما يحتمله لأجل الثناء، فإن فرض حيث لا ثناء، فقد وجد مقرونا بالثناء، فيميل الوهم إلى المقرون باللذيذ وإن كان خاليا عنه.

تحرير هذا البحث

هذه خلاصة ما يراه الغزالي في تأييد أهل السنة، وتخطئة المعتزلة. وتكون النتيجة على رأي أهل السنة أنه لا حسن ولا قبح قبل ورود الشرع، وأنه لا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشرع، وهذا الرأي خطأ من وجهين:

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٣٧