تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبيان ذلك أنه ما زال يغرب معاصروه في الإنكار عليه حتى ضاق تلامذته ذرعا بذلك، فكتب إليه أحدهم يرجوه دحض تلك المزاعم فصنف كتابا سماه: «الإملاء في إشكالات الإحياء». وما نريد الآن تلخيص هذا الكتاب، فهو في أيدي الناس، وإنما نذكر مقدمته لنرى كيف ابتأس بما فعل أولئك المنكرون، فإن في هذا صورة لجانب من جوانبه الأخلاقية، وهو يدلنا على الأقل على مبلغ ثقته بنفسه، وإيمانه بصحة ما جاء في الإحياء، وعدم اكتراثه بآراء الناس.

قال: «سألت يسرك الله لمراتب العلم تصعد مراقيها، وقرب لك مقامات الولاية تحل مغانيها، عن بعض ما وقع في الإملاء الملقب بإحياء مما أشكل على من حجب فهمه. وقصر علمه، ولم يفز بشيء من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه، وأظهرت التحزن لما شوش به شركاء الطغام، وأمثال الأنعام، وأجماع العوام، وسفهاء الأحلام، وعار أهل الإسلام: حتى طعنوا عليه. ونهوا عن قراءته، وأفتوا بمجرد الهوى على غير بصيرة باطراحه ومنابذته، ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ونبذوا قراءه ومنتحليه بزيغ في الشريعة واختلال، فإلى الله انصرافهم ومآبهم. وعليه في العرض الأكبر إيقافهم وحسابهم، فستكتب شهادتهم ويسألون،

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

1

بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. ولكن الظالمين في شقاق بعيد. ولا عجب فقد ثوى

2

دلاء الطريق وذهب أرباب التحقيق، فلم يبق في الغالب إلا أهل الزور والفسوق متشبثين بدعاوى كاذبة، متصفين بحكايات موضوعة، متزينين بصفات منمقة، متظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، ومتقاطعين بحجج غير صادقة، كل ذلك لطلب دنيا أو محبة ثناء، أو مغالبة نظراء. قد ذهبت المواصلة بينهم بالبر. وتآلفوا جميعا على الفعل المنكر. وعدمت النصائح منهم في الأمر، وتصافوا بأسرهم على الخديعة والمكر، إن نصحهم العلماء أغروا بهم، وإن صمت عنهم العقلاء أزروا عليهم، أولئك الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء عن الله عز وجل بأنفسهم، لا يفلحون ولا ينجح تابعهم، ولذلك لا تظهر عليهم موارثة الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تتحقق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية، لأنهم لا ينالون أحوال النقباء، ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء، وكرامات الأوتاد، ولو عرفوا أنفسهم لظهر لهم الحق. وعلموا علم أهل الباطن» ... إلى آخر ما قال.

وبقليل من التأمل نعرف من هذه المقدمة أن الغزالي يصر بعد أن نقده معاصروه على التشبث بأذيال الصوفية. ويمكننا أن نتوقع ما سيجيب به في كل ما أخذ عليه من الوجهة الشرعية، ويجب أن نفهم ذلك منذ الآن، لنخرج كل ما نقلناه في آرائه الأخلاقية من الشذوذ هذا التخريج ولنرجع إسرافه في بعض المواطن إلى هذا الأصل الذي اختاره وارتضاه وهو التصوف وإلا فمن هم النقباء، والنجباء، والبدلاء، والأوتاد، إن لم يكونوا جماعة من المتصوفة الذين يستبيحون ما لا يباح ؟!

ومن أظرف ما أجاب به الغزالي فيما أخذ عليه من الأغلاط النحوية، أنه قليل الخبرة بالنحو، ثم ما أجمل نصحه لتلامذته بأن يصلحوا ما يعثرون عليه من أشباه هذه الأغلاط! ويا ليته نصح بمثل هذا في إصلاح ما ضل فيه من الأحكام!

الكذب على الغزالي

ومما يجب التنبه له أن الغزالي لم يسلم من الكذب عليه فقد وضعت المؤلفات باسمه، واتجر به المضللون. ويذكر الزبيدي من هذه الكتب: «السر المكتوم في أسرار النجوم» وينص على أن هذا الكتاب نسب أيضا إلى الفخر الرازي، وأنه سئل عنه فأنكره. ومما دس على الغزالي كتاب: تحسين الظنون، وكتاب النفخ والتسوية، وكتاب المضنون به على غير أهله. قال السبكي: ذكر ابن الصلاح أنه منسوب إليه، ثم قال: معاذ الله أن يكون له، وبين سبب كونه مختلقا موضوعا عليه. قال الزبيدي: والأمر كما قال، فقد اشتمل على التصريح بقدم العالم، ونفي القديم بالجزئيات، وكل واحد من هذه يكفر الغزالي قائلها هو وأهل السنة أجمعون، فكيف يتصور أنه يقولها؟

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٣٥