وأنكروا عليه أيضا ما حكاه عن شقيق البلخي أنه رأى مع شخص رغيفا ليفطر عليه من صومه فهجره، وقال: تمسك رغيفا إلى الليل! (18)
وكذلك أنكروا عليه قوله: اعلم أن ميل قلوب أهل التصوف إنما هو إلى تحصيل العلوم اللدنية، دون العلوم النقلية، ولذلك لم يحضوا على دراسة العلم، ولا تحصيل ما صنفه المصنفون، وإنما حضوا على الاشتغال بالله تعالى وحده، والاشتغال بذكر الله فقط(!؟) (19)
وأنكروا عليه تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام .
1
فقد قال: الأصنام الذهب والفضة. وعبادتهما حبهما والاغترار بهما. وواضح أن هذا التفسير بعيد عن المعنى المراد. (20)
وأنكروا عليه أيضا تقريره قول سهل التستري: أن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت النبوة، وأن للنبوة سرا لو ظهر لبطل العلم، وأن للعلماء بالله سرا لو ظهر لبطلت الأحكام والشرائع (!؟).
وأنا أكتفي بهذا القدر من أغلاط الإحياء، ففيه صورة واضحة لآراء العلماء في ذلك الكتاب، وسترى في باب غير هذا أن هذه الحركة العنيفة لم تخمد بموت الغزالي، بل ظلت ثائرة عدة أجيال. وما عجبت لشيء عجبي للزبيدي، فقد تولى تفنيد هذه المآخذ، واحدا واحدا، وهو تعسف ممقوت، يكفي أن تعلم أنه لا يرتكز على قاعدة مسلمة، من عرف أو تشريع، وإنما يستند على قواعد من التصوف بنيت على الماء. ومن أراد التحقق من صحة هذا الحكم فليرجع إلى الجزء الأول من شرح الإحياء، من ص27 إلى ص40.
ومن الأجوبة السخيفة ما أجاب به السبكي عن الغزالي في قص الأظفار فقد قال: وأما ما ذكروه في قص الأظافر فالأمر المشار إليه يروى عن علي كرم الله وجهه غير أنه لم يثبت وليس في ذلك كبير أمر ولا مخالفة شرع، وقد سمعت جماعة من الفقراء يذكرون أنهم جربوه فوجدوه لا يخطئ. ومن داوم عليه أمن من وجع العين. ويرون من شعر علي كرم الله وجهه هذا:
ابدأ بيمناك وبالخنصر
في قص أظفارك واستبصر
واختم بسبابتها هكذا
فافعله في الرجل ولا تمتر
وابدأ بيسراك بإبهامها
والأصبع الوسطى وبالخنصر
ويتبع الخنصر سبابة
بنصرها خاتمة الأيسر
هذا أمان لك قد حزته
من رمد العين كما قد ترى
والسخف ظاهر كل الظهور في هذا الجواب، وإلا فما هي الصلة بين قص الأظافر بهذه الكيفية، وبين الأمن من وجع العين؟ وكيف قال علي بن أبي طالب هذا الشعر السخيف وقد كان من أفصح الناس؟
الواقع أن الغزالي كان فتنة من فتن العصور القديمة، وقد نسي العلماء في الدفاع عنه أن هناك عقلا يجب أن يحكم، وأنه لن يخلو العالم من أصحاب العقول، ولو كره الجامدون!
الفصل الخامس
| غفلة الغزالي وعناده
1
أما غفلته فدليلها ما في كتبه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وهي تقرب من ستمائة حديث.
وأنا لا أشك في نزاهة الغزالي وبعده من الكذب على رسول الله، فمحال على مثله في ورعه وتقواه أن يزور على النبي حديثا، أو يضع في كتبه أحاديث يعلم أنها من الموضوعات. وحقيقة الأمر أن الرجل كان «يمتاز» بقسط كبير من الغفلة والبساطة، وإلا فكيف صدق أن النبي يقول: «إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ.» وأقل الناس علما بالبلاغة يدرك أن رسول الله لا ينطق بمثل هذا الحديث وكيف يصدق ما روى من أن جبريل نزل فقال: «إن الله يقرئك السلام. ويقول: أتحب أن أجعل هذه الجبال من ذهب فتكون معك اينما كنت؟»
وما لي أطيل في نقد ما جاء في الإحياء مما لا إسناد له من الأحاديث وهي مسطورة في طبقات الشافعية، في ثمان وثلاثين صفحة من الجزء الرابع. والضعف فيها ظاهر لا يحتاج إلى دليل.
2
وأما عناده فدليله إصراره على إبقاء ما جاء في كتبه من الأغلاط ورميه ناقديه بالغباوة، والحسد، والكذب، مع أنه كان يجمل به أن يتأمل نقدهم برفق، ويميز بين الغث منه وبين السمين، ولكنه اندفع كالصخر حطه السيل من شاهق، وأخذ برميهم بالزيغ والفسوق.