وأنكروا عليه تقرير ما حكاه عن أبي الحسن الدينوري أنه حج اثنتي عشرة حجة، وهو حاف مكشوف الرأس! قال ابن القيم: وهذا من أعظم الجهل لما في ذلك من الأذى للرأس والرجلين، ولا تسلم الأرض من الشوك والوعر، وكان هؤلاء الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم شريعة سموها بالتصوف، وتركوا شريعة محمد
صلى الله عليه وسلم ، فنعوذ بالله من تلبيس إبليس. فإن مثل هذه الحكايات تفسد عقائد العوام، إذ يظنون أن فعل مثل هذا من الصواب. (10)
وأنكروا عليه تقريره عن أبي الخير الأقطع التيتاني قوله: إني عقدت مع الله عهدا أن لا آكل شيئا من الشهوات، فمددت يدي إلى ثمرة في شجرة فقطعتها، فبينما أنا أمضغها إذ ذكرت العهد فرميت بها من فمي ، فدار بي فرسان وقالوا قم! وأخرجوني إلى ساحل بحر إسكندرية، وإذا أمير وحوله خيل وجند، فقالوا أنت من اللصوص، وإذا معهم جماعة من لصوص السودان، فسألوهم عني، فقالوا لا نعرفه، فكذبهم الأمير وشرع يقدم يدا ويقطعها إلى أن وصل إلي وقال لي: تقدم ومد يدك، فمددتها فقطعت إلى آخرها!! قالوا: فانظروا ما يفعل الجهل العظيم بصاحبه، فلو أن عند التيتاني رائحة علم، لعلم أن ما فعله حرام عليه، وليس لإبليس عون على الزهاد والعباد أكثر من الجهل، وما أظن غالب ما يقع لهؤلاء إلا من الجنون. (11)
وأنكروا عليه قوله: إن الاشتغال بعلم الظاهر بطالة (!) قال ابن القيم: هذا جهل مفرط منه. وأصل ذم الصوفية للعلم أنهم رأوا طريق الاشتغال به لا يوصلهم إلى الرياسة إلا بعد طول زمان، بخلاف طريقتهم المبتدعة من لبسهم الزي، وصلاتهم بالليل، وصيامهم بالنهار، وتقصير الثياب والأكمام. (12)
وأنكروا عليه حكايته عن أبي تراب النخشبي أنه قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله عز وجل سبعين مرة (!؟) قال ابن القيم: وهذا الكلام فوق الجنون بدرجات. (13)
وأنكروا عليه تقريره لرمي الشبلي ما كان معه من الدنانير في دجلة، وقوله: ما أعزك عبد إلا أذله الله تعالى. قال ابن القيم: وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من هؤلاء الجهلة بالشريعة، كيف يحكي ذلك عنهم على وجه المدح لهم، لا على وجه الانكار، وأي رائحة بقيت من الفقه عند أبي حامد حتى يكتب عنه شيء من العلم؟ فإن الفقهاء كلهم يقولون إن رمي المال في البحر لا يجوز. (14)
وأنكروا عليه تقريره قول أبي سليمان الداراني: إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في طلب المعاش، أو تزوج، فقد ركن إلى الدنيا (!؟) قالوا: هذه الأشياء الثلاثة مخالفة لقواعد الشريعة. وكيف لا يطلب الحديث وقد ورد: «إن الملائكة لتضع أجنحتها على طلب العلم»؟ وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر رضي الله عنه: «لأن أموت من سعي رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله»؟ وكيف لا يطلب التزويج، وصاحب الشرع
صلى الله عليه وسلم
يقول: «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»؟ (15)
وأنكروا عليه تقريره قول أبي حمزة البغدادي: إني لأستحيي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون شبعي زادا تزودت به (!) قالوا: ومن العجب اعتذاره عن أبي حمزة بقوله: كلام أبي حمزة صحيح، ولكن يحتاج إلى شرطين؛ أحدهما: أن تكون للإنسان قدرة من نفسه بحيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعا ونحوه. الثاني: أن يمكنه التقوت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه الذي معه طعام بعد أسبوع، أو ينتهي إلى محلة أو حشيش يجد به ما يقوته. قال ابن القيم: أقبح ما في هذا القول صدوره في فقيه فإنه قد لا يلقى أحدا، وقد يضل، وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقاه من لا يطعمه، وقد يموت فلا يدفنه أحد. (16)
وأنكروا عليه ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد حيث قال: هذا من فعل رجال الله، قيل له فإن مات؟ قال: الدية على العاقلة (!) قالوا: هذه فتوى جاهل بقواعد الشريعة، إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز لأحد دخول البادية بغير زاد، وإن فعل ذلك ومات بالجوع فهو عاص مستحق للعقوبة في الآخرة. (17)