تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنكروا عليه كما نقل الزبيدي، قوله في الإحياء: ليس في الإمكان أبدع مما كان، واستندوا في إنكارهم على أن هذا يوهم عجز الجناب الإلهي، وهو كفر صريح، وإنما انحصر إنكارهم في هذه الوجهة لإغراقها في المباحث الدينية، ولو كان لهم نصيب من العلم والفن لعدوا هذا عقبة في سبيل الاختراع. (3)

ونقل الزبيدي عن الأجوبة المرضية للشعراني أن مما أنكر على الغزالي قوله: يباح للصوفية تمزيق ثيابهم عند غلبة الحال، إن قطعت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات، كما يجوز تمزيق الثوب ليرقع به ثوب آخر! وقد أجاب الزبيدي على هذا بجواب مضحك جاء فيه: «وبالجملة فلو كان جميع أموال الدنيا وأمتعتها بيد الفقير ورأى حضور قلبه مع الله تعالى لحظة بإتلافها كلها، بحرقها أو رميها في بحر لكان ذلك بطريق الاجتهاد، ولا لوم إلا على من يمزق ثيابه ويتلف ماله إسرافا وسفها.» وقد فات الزبيدي أن غرض المنكر ليس منصبا على التبديد والإسراف، وإنما هو موجه إلى الخروج من الوقار، فإنه لا مرية في أن غرض الشرع من التجمل إنما يرجع إلى الرغبة في أن يسبغ على المؤمن رداء الجلال. (4)

ومما أنكروا عليه قوله في الإحياء: المقصود بالرياضة تفريغ القلب، وليس ذلك إلا بالخلوة، والجلوس في مكان مظلم، فإن لم يكن مظلما لف رأسه في جيبه، أو تدثر بكساء أو رداء فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ويشاهد جلال الربوبية (!؟).

وقد تنبه ناقدوه إلى أن التقلل من الطعام قد يورث الجنون! فمن يدرينا أن ما يسمعه المتريض هو نداء الحق، أو أن الذي يشاهدوه هو جلال الربوبية، ومن يضمن أن لا يكون ما يجده هو من الوساوس والخيالات الفاسدة! (5)

وأنكروا عليه كذلك تقريره قول الجنيد: إذا كان الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام (!). (6)

وأنكروا عليه كذلك تقريره ما حكاه عن بعضهم أنه بات عند السباع في برية ليمتحن توكله على الله هل صح أم لا (!؟) قالوا وكيف جاز له أن يسكت على ما فعله هذا الرجل مع تعرضه لأسباب الهلاك؟ (7)

ومما أنكروا عليه قوله: كان بعض الشيوخ في بدايته يكسل عن قيام الليل، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتصير نفسه بحيث تجيبه إلى قيام الليل اختيارا، وكذلك عالج بعضهم حب المال: فباع جميع أمتعته ورمى ثمنها في البحر خوفا من أن يقع في حب تزكية الناس له، ووصفه بالجود، أو الرياء في فعلها، ولذلك كان بعضهم يستأجر من يشتمه على رؤوس الأشهاد ليعود نفسه الحلم، وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج ليعود نفسه الشجاعة، وكان بعضهم إذا خاف النوم يقف على رأس حائط عال حتى لا يأخذه النوم (!) قال ابن القيم: وإني لأتعجب من أبي حامد هذا كيف يأمر بهذه الأمور التي تخالف ظاهر الشريعة، وكيف يحل لأحد أن يقوم على رأسه طول الليل، وكيف يحل رمي المال في البحر، وكيف يحل سب المسلم بلا سبب، وهل يجوز لمسلم أن يستأجر من يشتمه، وهل يجوز لأحد أن يقوم على رأس جدار عال ويعرض نفسه للوقوع بالنوم فتنكسر رقبته فيموت؟؟ (8)

ومما أنكروا عليه حكايته عن ابن التكريتي شيخ الجنيد أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح، فشت قلبي، ونفر منه، فدخلت الحمام، وسرقت ثيابا فاخرة ولبستها، ثم لبست مرفعتي فوقها، وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، فلحقوني وأخذوا مني الثياب، وصفعوني وسموني لص الحمام، فسكنت نفسي (!؟) قال الغزالي: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله تعالى من فتنة النظر إلى الخلق ومراعاتهم لهم، وأهل النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه، إذا رأوا صلاح قلوبهم في ذلك، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام (!!) قال ابن القيم: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء؟ فليته لم يحك فيه مثل هذه الأمور التي لا يحل لأحد السكوت عليها، ثم نقل نص الإمام أحمد والشافعي في أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده. ثم قال: وتعجبي من هذا الفقيه الذي استلب التصوف علمه وعقله، أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب من الحمام! فيا ليت أبا حامد بقي مع قواعد الفقه واستغنى عن هذه الهذيانات. (9)

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٣٢