تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ كان الرجل مفتونا بآراء الصوفية فإنا نجد تأثره بهم يختلف اختلافا قليلا بحسب الظروف، فهو في المنهاج، أقرب إليهم منه في الإحياء، فما يحترز منه هنا قد لا يحترز منه هناك.

ونلاحظ أنه ليست هناك غاية موحدة يسعى لنصرتها الغزالي بمصنفاته العديدة. فهو تارة يلوذ بأكناف الشريعة، فيمنع ما تمنع ويبيح ما تبيح. وتارة يساير الصوفية، فينصرهم فيما يسعون اليه من الانفراد بفهم أسرار الوجود، وهو مع ذلك يصرح بأن علم المكاشفة لا يودع الكتب، ولا يصح أن يلقى لغير الخواص!

وينتج مما سلف أن الغزالي ليس من المبتكرين المبدعين، وإنما يمتاز بصبره على قرع ذلك الناقوس الذي أراد أن يوقظ به الناس من سباتهم، وإن لم يكن ذلك الناقوس من صنع يديه، وقد أفاق الناس ولم يروا غير الغزالي، ثم هرعوا إليه، فوجدوا كتاب الإحياء في يمناه، وما زالوا به يحلمون.

الفصل الثالث

| كتاب الإحياء

هو أهم ما كتب الغزالي في الأخلاق، ألفه في أخريات حياته حين جنح إلى اعتزال الناس، ثم قرأه في دمشق وبغداد، ووضع له مختصرات عديدة، منها الوجيز، ومنها المبسوط.

وقد أسسه على أربعة أرباع: ربع العبادات، ويشتمل على كتاب العلم، وكتاب قواعد العقائد، وكتاب أسرار الطهارة، وكتاب أسرار الصلاة، وكتاب أسرار الزكاة، وكتاب أسرار الصيام، وكتاب أسرار الحج، وكتاب آداب تلاوة القرآن، وكتاب الأذكار والدعوات، وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.

وربع العادات، ويشتمل على كتاب الأكل، وكتاب آداب النكاح، وكتاب أحكام الكسب، وكتاب الحلال والحرام، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق، وكتاب العزلة، وكتاب آداب السفر، وكتاب السماع والوجد، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة.

وربع المهلكات: ويشتمل على كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس، وكتاب آفات الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، وكتاب آفات اللسان، وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد، وكتاب ذم الدنيا، وكتاب ذم المال والبخل، وكتاب ذم الجاه والرياء، وكتاب ذم الكبر والعجب، وكتاب ذم الغرور.

وربع المنجيات: ويشتمل على كتاب التوبة، وكتاب الصبر والشكر، وكتاب الخوف والرجاء، وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا، وكتاب النية والصدق والإخلاص، وكتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكر، وكتاب ذكر الموت.

ونظرة إلى هذا البرنامج تريك مبلغ عناية الغزالي بكتاب الإحياء، وليس كثيرا أن ذكرنا هذا البرنامج، فإن الإحياء عمدتنا فيما قصدنا إليه من تحرير ما وضع الغزالي في الأخلاق، ومن الخير أن نذكر رأي الغزالي نفسه في ذلك الكتاب الممتع الجامع فقد قال بعد أن بين ما اختطه في شرح العبادات، والعادات، والمهلكات، والمنهجيات: «ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور:

الأول:

حل ما عقدوه، وكشف ما أجملوه.

الثاني:

ترتيب ما بددوه، ونظم ما فرقوه.

الثالث:

إيجاز ما طولوه، وضبط ما قرروه.

الرابع:

حذف ما كرروه، وإثبات ما حرروه.

الخامس:

تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا، إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد فلا يستنكر أن ينفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه».

الفصل الرابع

| أغلاط الإحياء

نذكر هنا شيئا من المآخذ التي أخذها المتقدمون على الغزالي فيما يخص كتاب الإحياء، لأن في ذلك بيانا لقيمة هذا الكتاب في نظر المتقدمين، ولأن فيه تمهيدا لما نحن بسبيله من نقد آراء الغزالي في الأخلاق: (1)

نقل السبكي في طبقات الشافعية أن أبا عبد الله المأزري قال وقد سئل عن الإحياء: «إن الغزالي يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، مثل قوله في قص الأظفار: تبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة!» (2)

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٣١